هذه العبارة القرآنية تكثّف ظاهرة ثقافية واجتماعية متفشية: بين السطور، وفي أسلوب الكلام، تكمن علامات تكشف عن بواطن النفوس، مهما حاول أصحابها التجمّل أو التستّر. والكلمات اليوم، في زمن المنصات، هي أسرع وسيلة لاختبار العقول والنوايا.
كثير من المحسوبين على “النخبة” الثقافية أو السياسية يعيشون في هالة مصطنعة، إلى أن يسقط القناع في تعليق عابر أو منشور قصير. تقرأ لشخص يُقدَّم باعتباره “مفكرًا” أو “سياسيًا مثقفًا”، فإذا بك تصطدم بفقر في المرجعيات، وسطحية في التحليل، وتكرار مبتذل لشعارات مستهلكة. وأحيانًا، حتى محاولات “الفذلكة” تفضحه، لأنها متوترة ومكشوفة.
الأمثلة كثيرة ويمكن رصد أنماطها دون ذكر أسماء:
-
من يتكلم باسم الحرية بلهجة منفعلة، ثم يُسقط شرطها إذا صدر الاستبداد من تياره.
-
من يرفع شعار المساواة إطلاقًا، ثم يسقط في خطاب جهوي أو طبقي مقنّع عند أول احتكاك.
-من يتبنّى خطابًا “انفتاحيًا” عامًا، ثم تنكشف صلابته وانغلاقه عند أول اختبار حقيقي.
-
“مثقف ليبرالي” يهاجم الدين بشراسة، ثم يمتدح رموزه التقليدية في مناسبة وطنية بحثًا عن شرعية.
-
“قومي وحدوي” يدعو للوحدة، ثم يطلق تصريحات طائفية مقنّعة مع أول أزمة اختلاف.
وراء هذه السطحية والازدواجية جذور أعمق:
-
أزمة هوية وانتماء تجعل الخطاب متذبذبًا بين صور متناقضة.
-
انتهازية سوق الانتباه، حيث تُقاس المواقف بكمّ التفاعل لا بميزان المبدأ.
-
غرف الصدى الرقمية التي تُغذّي الفرد بآراء شبيهة، فتضعف قدرته على الحوار الحقيقي، ويغدو خطابه صدى فارغًا في الفضاء الأوسع.
-
ضعف التكوين المعرفي: صعود سريع بلا قراءة متينة ولا تراكم، فينهار البناء عند أول سؤال جاد.
هذه التناقضات تكشف أن كثيرًا مما يُقال ليس إلا قشرة لا تصمد أمام المواقف الفعلية. وطبعًا لا يصحّ التعميم؛ فثمة صادقون يحافظون على اتساقهم الفكري والأخلاقي، لكنّهم غالبًا خارج الأضواء الصاخبة.
أحيانًا، تتسرّب المواقف الحقيقية من خلال منشور قصير يكشف عداءً دفينًا للدين، أو احتقارًا للعامة، أو انبهارًا مرضيًّا بجهة ما. وأحيانًا من تعليق عابر يفضح نزعة طائفية أو عشائرية تُدارى طويلًا تحت لافتة “الخطاب النخبوي”.
كيف نقرأ “لحن القول” عمليًا؟ خمسة مؤشرات سريعة:
اتساق القيم عبر السياقات (لا تتبدّل الحرية باختلاف الأشخاص)
احترام الخصم واعتدال اللغة (لا ازدراء ولا تجريح)
دقة المصطلحات والقدرة على التعريف والتمييز
قابلية الموقف للاختبار بالحجج والوقائع، لا بالشعارات
الاعتراف بالخطأ عند ظهور الدليل، لا الهروب إلى الشخصنة
ما نراه من سقوط الأقنعة ليس استثناءً، بل نتيجة طبيعية لعصر مكشوف لا يرحم. كلمات المثقف أو السياسي لم تعد عابرة؛ هي مرآة لوعي صاحبها وصدق مبادئه.
ولكي لا نقع فيما ننتقده، فلنبدأ بأنفسنا ونسأل: هل نحن متسقون مع ما نعلن؟ هل نقيس مواقفنا بالمبدأ لا بالاصطفاف؟ هل لغتنا تُشبه قيمنا أم تخونها، في لحن القول؟
لَحْن القول في زمن الخوارزميات
ما كان يحتاج تاريخيًا إلى مخالطة طويلة لاكتشافه، أصبح اليوم مكشوفًا بسرعة في الفضاء الرقمي. اللهجة الاستعلائية، والسخرية المُغلَّفة باللطف، والادعاء بالمعرفة المطلقة — كل هذا يظهر في الكتابة.
وما يُضيفه عصر المنصات هو أن اللحن لا يُقرأ في محادثة خاصة — يُقرأ أمام الجميع.
التطبيق الشخصي
حين أقرأ تعليقًا أو منشورًا، أُحاول قبل الردّ الملاحظة: ما الذي يقوله الأسلوب مستقلًا عن المضمون؟ هل الكاتب يبحث عن الحوار أم عن الانتصار؟ هل الحدة من موقع القوة أم من موقع الخوف؟
هذه القراءة في “اللحن” تُوفّر الكثير من الجهد الضائع في نقاشات لا تُنتج شيئًا.
خاتمة
آية واحدة تُلخّص دليلًا على مصداقية المتحدث: ليس ما يقوله، بل كيف يقوله. اللحن كشّاف — وهذا يُلزمنا قبل الحكم على الآخرين أن نفحص لحننا نحن أولًا.