التعليقات البذيئة التي تردني في الصفحة، وحتى على ماسنجر، لا أنزعج منها حين تصلني من مجهولين في قضايا سياسية واجتماعية عامة؛ فهي — للأسف — جزء من ضجيج الإنترنت المعتاد. لكنّها تثير تأمّلي حين تأتي في سياق ما يراه المعلّق «دفاعًا عن الدين» أو «دفاعًا عن المتديّنين»… مثل المنشور السابق عن معلّم القرآن الذي حوكم بتهمة اعتداء جنسي على أطفال.

هنا لا تعود البذاءة مجرد انفعالٍ عابر، بل تتحوّل إلى مفارقة أخلاقية كاملة: كيف يُستدعى اسم الدين — وهو خطاب تهذيب وإصلاح وتزكية — لتبرير لغة تُهين وتجرّح وتُرهب؟ وما الذي يجعل بعض الناس، عند لحظة الغيظ، يفضّلون الشتيمة على الحجة، والتشنيع على الإنصاف، ثم يخرجون من ذلك مقتنعين أنهم قدّموا خدمة للدين؟

هذا المقال محاولة لتفكيك الظاهرة بلا تشهير وبلا تبسيط: ما الذي يحدث نفسيًا واجتماعيًا عندما تختلط الغيرة الدينية بالهوية، وعندما يتحوّل “نصرة الحق” إلى “نصرة الجماعة”، وعندما تُستبدل رسالة الدين بأعصاب المتديّن.

  1. الدفاع الذي يبدأ من جرح الهوية لا من طلب الحقيقة

الدين عند كثيرين ليس “قناعة” فحسب؛ هو أيضًا هوية: صورة الذات، شرف العائلة، انتماء الجماعة، ذاكرة الألم، وإحساس المكانة في مجتمع لا يخلو من تنميط أو عداء أو سخرية. لذلك، حين تطرح قضية تمسّ “متديّنًا” أو “رمزًا دينيًا”، لا تُستقبل عند البعض بوصفها سؤالًا عن واقعة أو عن مسؤولية قانونية وأخلاقية، بل بوصفها طعنًا في الجماعة نفسها.

في هذه الحالة تتبدّل وظيفة اللغة:

• لغة البحث عن الحقيقة تصبح لغة دفاع عن الكرامة.

• لغة الحجة تصبح لغة حماية الصورة.

• لغة الإصلاح تصبح لغة ردّ الاعتداء.

وحين تشتغل “هوية الجريح” بدل “عقل الباحث”، تصبح البذاءة أقرب طريق لإرسال رسالة واحدة: لا تقتربوا منّا. إنها لغة أسوار، لا لغة نقاش.

  1. الغيرة الدينية حين تتحول إلى عصبية جماعية

الغيرة على الدين شعور مفهوم، بل قد يكون محمودًا حين يظلّ منضبطًا بمعيار العدل والرحمة وحسن البيان. لكنّ الغيرة قد تنقلب بسرعة إلى عصبية: نصرة “أهلنا” لا نصرة “الحق”، وتحصين “صورتنا” لا حماية “القيم”.

وهنا تظهر مفارقة دقيقة:

بدل أن يكون الدين معيارًا نقيس به سلوك الأشخاص، يتحول الأشخاص إلى معيار نقيس به ما يجوز قوله باسم الدين.

في القضايا الأخلاقية الحساسة — خصوصًا حين يكون المتهم متديّنًا أو صاحب وظيفة دينية — يتضاعف الضغط النفسي: الاعتراف بإمكان الخطأ يبدو عند بعضهم كأنه هزيمة رمزية أمام “الخصوم”، أو كأنه ثغرة تُستثمر للطعن في الدين كله. فيلجأون إلى أقسى الأدوات: التحقير والتخوين والتشنيع… وكأن القسوة ستُعيد بناء ما انهار في الداخل.

  1. البذاءة بوصفها “تعويضًا” عن فراغ الحجة

هناك نوع من البذاءة لا يخرج فقط من الغضب، بل من العجز: عجز عن تقديم تفسير متماسك، أو عن مواجهة الوقائع، أو عن قبول تعقيد العالم. حين لا تتوفر الحجة، يصبح الصوت العالي بديلًا عنها، وتصبح الشتيمة وسيلة لإسكات السؤال بدل الإجابة عنه.

في هذا السياق، البذاءة تؤدي ثلاث وظائف سريعة:

قطع الطريق على النقاش: تحويل الحوار إلى مشاجرة تُنهك الطرف الآخر.

إرباك المعايير: خلط الحق بالباطل، بحيث يتساوى السؤال المشروع مع الإساءة المتعمدة.

منح شعور زائف بالقوة: “أنا انتصرت” لأنني جرحت خصمي، لا لأنني أقنعت عقله.

والنتيجة: دفاعٌ يزداد صخبًا كلما قلّت فيه الأدلة.

  1. خوفٌ من انهيار الصورة المثالية… فيتحول إلى إنكار وعدوان

بعض المتديّنين — مثل غيرهم — يبني صورة مثالية عن “أهل الدين”: نقاء دائم، أمان مطلق، حصانة أخلاقية. هذه الصورة تمنح طمأنينة نفسية، لكنها هشّة. حين تأتي وقائع تصدمها، يحدث تصدّع داخلي مؤلم: كيف يقع هذا ممن يُفترض أنه قدوة؟

أمام هذا الألم، توجد استجابتان:

• استجابة ناضجة: الاعتراف بإمكان الانحراف، والتمييز بين الدين وحامليه، والمطالبة بالعدالة وحماية الضحايا.

• استجابة دفاعية: الإنكار، ثم العدوان على من يطرح السؤال، لأن وجود السؤال نفسه يهدد “الطمأنينة”.

في الاستجابة الثانية، تصبح البذاءة كأنها مطرقة لضرب المرآة كي لا نرى الصورة.

  1. منطق “الغاية تبرر الوسيلة”… حين يُبرَّر القبح بقداسة الهدف

من أخطر ما يتسلل إلى بعض المدافعين عن الدين اعتقادٌ غير مُصرّح به: ما دام الهدف شريفًا، فالوسيلة تُغتفر. فيصبح السبّ “غيرة”، والتشهير “نصرة”، والتنمر “ردًّا على الإهانة”، وكأن الأخلاق تُعلّق مؤقتًا لصالح المعركة.

لكن هذه ليست نصرة للدين، بل استبدالٌ للدين بمنطق الحرب.

والدين — في جوهره — ليس راية تُرفع فوق كل سلوك؛ الدين معيار يحاكم سلوكنا نحن، لا بطاقة تبرير.

  1. أثر المنصات: اقتصاد الانتباه يفضّل الأقسى لا الأصدق

الفضاء الرقمي يعلّم الناس — دون دروس — أن القسوة تُكافأ:

تعليق جارح = تفاعل أعلى.

سخرية = مشاركة أكثر.

شتيمة = انتباه أسرع.

وحين يدخل المتديّن إلى هذا الفضاء، قد يتقمّص قواعده: ردّ سريع بدل ردّ عميق، تصنيف بدل تفكير، ووسمٌ أخلاقي جاهز بدل تحقيق. ثم يظن أنه يحمي “المقدس”، بينما هو يتنازل عن أخلاقه ليكسب جولة في ساحة لا تحترم الأخلاق أصلاً.

  1. لماذا تشتدّ الظاهرة في قضايا الاعتداء على الأطفال تحديدًا؟

لأنها قضايا تقلب المعادلات:

• ضحايا ضعفاء لا يحتملون “المجاملة”.

• جريمة أخلاقية صادمة لا تُجدي معها الشعارات.

• صراعٌ بين صورتين: صورة “المتديّن القدوة” وصورة “الاعتداء”.

هنا يتعرّى السؤال الأخلاقي: هل الأولوية لحماية السمعة أم لحماية الضعفاء؟

ومن لا يملك جوابًا منصفًا قد يهرب إلى البذاءة… لأنها أسهل من مواجهة السؤال.

ومع ذلك، لا بد من الدقة: كل متهم بريء حتى تثبت إدانته قانونيًا، والنقاش لا يعني إصدار حكم قضائي، لكنه يعني حق المجتمع في طرح الأسئلة الأخلاقية والمؤسسية: كيف نمنع الاستغلال؟ كيف نضمن حماية الأطفال؟ كيف نُحسن الرقابة والتأهيل؟ وكيف نُميّز بين الدين كمبدأ وبين من ينتحل موقعه؟

8 ) من “الدفاع” إلى “الرسالة”: ما الذي يعنيه الانضباط في مثل هذه النقاشات؟

الانضباط ليس ضعفًا، بل قوة من نوع آخر: قوة من يملك نفسه حين يفقد الآخرون أنفسهم. وهو أيضًا شرط تأثير: لأن الشتيمة لا تغيّر قناعة، لكنها تغيّر مزاجًا… نحو العناد.

في النقاشات الحساسة، هناك مبادئ بسيطة لو التزمناها لاختفى نصف القبح:

• تمييز الفكرة عن الشخص: نقد الفعل لا يساوي شتم الإنسان.

• حماية الضحايا لغويًا: تجنب خطاب يضاعف ألمهم أو يشكك فيهم بلا قرائن.

• فصل الدين عن حامليه: الدين لا يُدان بانحراف شخص، والشخص لا يُحصّن بقداسة الدين.

• ترك القضاء للقضاء: لا تشهير، ولا تبييض آلي، ولا محاكمات شعبية.

• لغة معيارية بدل لغة عدوانية: “هذا تعميم”، “هذا افتراء”، “هذا غير منصف” أقوى من ألف شتيمة.

  1. الدين لا يحتاج فُحشًا كي يُحمى… بل يحتاج عدلًا كي يُصان

البذاءة التي تأتي “دفاعًا عن الدين” ليست مشكلة ذوق فقط؛ إنها مشكلة معنى. لأنها تقول — ضمنيًا — إن الدين عاجز عن الإقناع، فيستعير أدوات الإخافة. وتقول إن المتديّن لا يثق بقوة حجته، فيرفع صوته. وتقول إن صورة الجماعة أهم من حق المظلوم، فيُقمع السؤال بدل محاسبة الذات.

الدين الذي يستحق الدفاع عنه لا يحتاج منا قسوة لسان، بل يحتاج وضوح معيار: عدلٌ لا يحابي، وصدقٌ لا يتلاعب، ورحمةٌ لا تبرر الجريمة، وأدبٌ لا يسقط عند الاستفزاز. عندها فقط يصبح “الدفاع” تعبيرًا عن الرسالة لا عن العصبية؛ وعن التزكية لا عن الانفعال.

والسؤال الأخير الذي أتركه مفتوحًا:

حين نشتم باسم الدين… ما الذي ندافع عنه فعلًا؟ الدين؟ أم صورتنا عنه؟ أم خوفنا من أن ينكسر شيء ما بداخلنا؟

المقصود بـ «الانكسار» هنا ليس انكسار الدين نفسه (فالدين لا ينكسر)، بل انكسار شيء داخل المتديّن/المدافع يرتبط بالدين أو بالمتديّنين. أهم معانيه المحتملة:

• انكسار الصورة المثالية: أن تنهار الفكرة المريحة: «المتديّن بالضرورة مأمون، والشيخ بالضرورة قدوة». حين تظهر وقائع صادمة، يشعر بعضهم كأن الأرض تُسحب من تحت هذه الصورة.

• انكسار الثقة: ليس فقط في شخصٍ بعينه، بل في “نظام” كامل: طريقة التربية، بيئة التحفيظ، رموز الوعظ، أو المؤسسة التي منحت الشخص مكانته.

• انكسار الشعور بالأمان الأخلاقي: الدين عند كثيرين يمنح إحساسًا بأن العالم “مفهوم” و”منضبط”: الخير واضح والشر واضح. قضايا الاعتداء مثلًا تُدخل منطقة رمادية موجعة: كيف يجتمع الخطاب الديني مع الفعل القبيح؟

• انكسار الهيبة الاجتماعية والكرامة الجماعية: الخوف من أن تُستعمل الحادثة لتعميمٍ جارح: “هؤلاء كلهم كذا”، أو لتشويه صورة المتديّنين في المجتمع، فيشعر المدافع أنه سيُهان عبر “انتمائه” لا عبر رأيه.

• انكسار سردية الذات: بعض الناس بنى هويته على أنه ينتمي إلى “الطاهرين/الأخيار”. أي خبر يهزّ هذا التصنيف يُشعره بأن تعريفه لنفسه أصبح مهددًا.

• انكسار المعنى: حين يصبح الدفاع الحقيقي (مواجهة الخطأ وحماية الضعفاء) مؤلمًا، يختار البعض دفاعًا أسهل: إنكار/هجوم/بذاءة… ليحافظ على معنى بسيط بدل معنى معقد.

فـ«الخوف من الانكسار» يعني: الخوف من فقدان الطمأنينة التي كانت تمنحها صورة مثالية وسردية مريحة، والخوف من الاضطرار لمراجعة الذات والجماعة، والخوف من أن

يُقال له: “انظر… بشرٌ مثل غيرهم”