بدافع الفضول، بحثت ذات مرة عن قائمة وحدات البحث الأكاديمي في الجامعات التونسية. وجدت قرابة 310 وحدة بحث موزعة على مختلف التخصصات.

ثم بدأت أبحث في هذه القائمة عن وحدات تُعالج القضايا الأكثر إلحاحا في تونس. ما وجدته كان مفاجئا.

ما الذي لا يُبحث فيه؟

لا توجد وحدة بحث حول الإرهاب والتطرف والتشدد.

تونس التي صدّرت في مرحلة أكبر نسبة مقاتلين أجانب إلى سوريا والعراق نسبة إلى تعداد سكانها، لا تملك وحدة بحث أكاديمية واحدة تدرس هذه الظاهرة — لا من زاوية علوم الدين، ولا من علم الاجتماع، ولا من علم النفس، ولا من العلوم السياسية، ولا من الاقتصاد.

لا توجد وحدة بحث حول الفوارق الاجتماعية والتنمية الجهوية.

الفجوة بين شمال تونس وجنوبه، بين العاصمة والمناطق الداخلية، كانت أحد أبرز محركات ثورة 2011. وبعد سنوات من الثورة لا يوجد مركز بحثي أكاديمي يُكرّس نفسه لدراسة هذه الفجوة وآليات تضييقها.

لا توجد وحدة بحث حول البطالة وسوق الشغل.

البطالة — ولا سيما بطالة الشباب حاملي الشهادات — أحد أعمق مشاكل تونس الهيكلية. مع ذلك لا يوجد مركز بحثي جامعي متخصص في فهم آليات سوق الشغل التونسي وعلاجه.

لا توجد وحدة بحث حول المشاكل الهيكلية للصناعة التونسية.

لا توجد وحدة بحث حول مشاكل الاستثمار وبيئة الأعمال.

لماذا هذا الغياب؟

الجواب ليس في نقص الكفاءات — تونس تمتلك كفاءات أكاديمية حقيقية. ولا في نقص التمويل وحده رغم أهميته. الجواب في غياب سياسة بحثية وطنية مرتبطة بأولويات التنمية.

الجامعات التونسية تُنتج البحث بدوافع متعددة: الارتقاء الأكاديمي، والتواصل مع التقاليد الأكاديمية الأوروبية، والاهتمامات الشخصية للباحثين. لكن السؤال “ما الذي يحتاجه المجتمع التونسي أن نفهمه؟” ليس بالضرورة السؤال المحرّك.

ما يُضاف إلى ذلك هو الحساسية السياسية لبعض الموضوعات: البحث في التطرف قد يُفسَّر من قِبَل جهات حكومية على أنه ملفّ أمني لا أكاديمي. والبحث في الفوارق الجهوية قد يُحرج الحكومات المتعاقبة.

مقارنة صارخة

في كندا — حيث أقيم — تمتلك كل جامعة كبرى مراكز بحثية متخصصة تُعالج القضايا الأكثر إلحاحا في المجتمع الكندي: التمييز العنصري، وقضايا السكان الأصليين، والهجرة والاندماج، والصحة النفسية، والتغير المناخي. وهذه المراكز تُولّد توصيات تصل فعلا إلى صانعي القرار.

هذا الربط بين البحث الأكاديمي وصنع السياسة العامة هو ما يجعل الجامعة مؤسسة حيّة لا مجرد مصنع للشهادات.

ما المطلوب؟

أولا:** سياسة بحثية وطنية تُحدّد بصراحة الأولويات البحثية المرتبطة بالتحديات الكبرى — ويُكافأ من يُعالجها ويُمنح التمويل.

ثانيا:** فتح الجامعات أمام التمويل البحثي المستقل — من مؤسسات دولية وأجهزة حكومية وقطاع خاص — بصورة شفافة لا تُخضع البحث للراعي.

ثالثا:** بناء جسور مؤسسية بين الجامعات والوزارات المعنية: الباحث في التطرف يجب أن يكون على تواصل مع وزارة الداخلية والشؤون الدينية لا مقطوعا عنها.

رابعا:** مراجعة معايير الترقية الأكاديمية بحيث لا تحتسب فقط العدد المنشور في مجلات دولية مصنّفة — بل أيضا الأثر المحلي للبحث في السياسات.

خاتمة

الجامعة التي لا تبحث في أعمق أزمات مجتمعها تنجز فعلا ثقافيا وعلميا لكنها تُخفق في وظيفتها الاجتماعية. وتونس بعد سنوات من ثورة رفعت شعار الكرامة والشغل والحرية — تستحق جامعات تضع هذه الشعارات في صميم أجنداتها البحثية.