السياق: الحراك السياسي بعد الثورة
يتنزّل هذا الموضوع في إطار الحراك السياسي الذي شهدته تونس بعد الثورة، والذي كان من المنتظر أن يستمرّ بقوّة في إطار أعمال المجلس التأسيسي. فعلى رأس مهام هذا المجلس المنتخب كانت صياغة الدستور الجديد وتحديد السلطات في إطار التأسيس لدولة ديمقراطية حديثة.
من الطبيعي أن يشغل الحديث عن الهوية الوطنية حيّزًا كبيرًا في هذا السياق، لسببين اثنين:
-
السبب الأوّل: أن الهوية الوطنية ليست مجرّد حلم غامض أو مفهوم نظري، بل هي أداة سياسية قوية وضرورية لتنظيم الجماعات السياسية وتوحيد الأفراد خلف مشروع الدولة المشتركة. وتعريف الهوية الوطنية يمثّل المنطلق في تحديد ما يُسمّى بالعمق الاستراتيجي للدولة في مستوياته الأربعة: تقوية الشعور بالانتماء والتضامن، وتوظيف الموروث التاريخي والجغرافي، وتحديد أدوات ضمان الأمن القومي، والبحث عن آفاق تجارية واقتصادية وشبكة علاقات دولية.
-
السبب الثاني: أن الحديث عن الهوية الوطنية يطفو على السطح وتحصل حوله التجاذبات كلّما تعرّض المجتمع لتغييرات اجتماعية جذرية، وخصوصًا بعد الثورات، حيث ترى الأقلّيات في التغيير فرصة لانتزاع بعض الحقوق أو الضمانات لدعم هويّاتها الخصوصية أو على الأقل لحمايتها من الذوبان في إطار الأغلبية.
مفهوم الهوية الوطنية: جماعة متخيّلة أم واقع متعدّد؟
مفهوم الهوية الوطنية يُعتبر من المواضيع الشائكة في الدراسات الاجتماعية. وقد حاول عدد من الباحثين تفكيك هذا المفهوم من خلال التعامل مع “الأمّة” على أساس أنها “جماعة متخيّلة” (Communauté imaginée)، وأن الإيديولوجيا القومية هي التي تنشئ الأمّة وليس العكس. غير أن بعض الدراسات اللاحقة انتقدت هذا التوجّه، معتبرة أن من الخطأ اعتبار الأمّة خاصّيّة ثابتة لدى الأفراد والجماعات، والتعامل مع الجماعات الإثنية والثقافية داخل الدولة الحديثة على أنها “جماعات متجانسة في داخلها، ومحدّدة في خارجها بشكل دقيق”.
وفي هذا الإطار ظهر في العلوم الاجتماعية مفهوم “التعدّدية الثقافية” كمفهوم مقابل لمفهوم “القومية”، للتأكيد على أن تعزيز المواطنة على أساس التجانس الثقافي واللغوي يتعارض مع الاعتراف بالهويّات والثقافات الأخرى التي يمكن أن توجد في نفس المجتمع.
مبادئ التعدّدية الثقافية
يشير مفهوم التعدّدية الثقافية إلى الحاجات الخاصّة لبعض الجماعات نتيجة لبعض سمات الهوية التي يختلفون بها عن الهوية الجماعية الغالبة في المجتمع. وتقوم سياسة التعدّدية الثقافية على جملة من المقولات أهمّها:
- الاعتراف بالطبيعة التعدّدية للمجتمع والوجود السوسيولوجي لمختلف مكوّناته
- رفض سياسة إذابة الثقافات لصالح ثقافة وطنية واحدة
- أولويّة القضايا الاجتماعية على القضايا الثقافية
- الاعتراف بأن المساواة تتطلّب أكثر من أن تكون مساواة شكلية
- التأكيد على القيم الأساسية المتمثّلة في الحقوق والحرّيات الشخصية والمساواة الفردية
- تسهيل المشاركة الكاملة لجميع المواطنين في الحياة الوطنية من خلال دعم قدرات الأقلّيات في عمليات القرار الوطني
تجارب دولية: نجاح وفشل
على المستوى العملي، أصبحت سياسة التعدّدية الثقافية سمة لعدد كبير من بلدان العالم، وتتفاوت هذه التجارب من حيث النجاح والفشل. ومن أهمّ التجارب الناجحة: تجارب كندا والدانمارك والنرويج وأستراليا والهند وجنوب أفريقيا وسنغفورة. أمّا التجارب الفاشلة فمنها الصين باعتبار قمعها للأقلّيات الثقافية والعرقية، والسودان الذي أدّى فشله في إدارة التعدّدية الثقافية إلى التقسيم.
من الملاحظ أن التجارب الناجحة ارتبطت دائمًا بالدول ذات المرجعية الأنجلوسكسونية التي تعتبر حرّية الفرد وكرامته محور فلسفتها السياسية، على عكس الدول ذات المرجعية الجمهورية التي تجعل من سلطة الدولة محور الفلسفة السياسية.
أسس الهوية الوطنية في النموذج التعدّدي
في التجارب الناجحة للتعدّدية الثقافية، يتحدّد مفهوم الهوية الوطنية على أساس التنوّع، ويقوم -كما في النموذج الكندي- على أسس ثلاثة:
-
القيم: تمثّل المكوّن الأساسي في بناء الهوية الوطنية، وتتجسّد من خلال القوانين الدستورية والمواقف الرسمية. وفي النموذج الكندي تمّ تحديد القيم الجوهرية كالتالي: المساواة، العدالة، الإنصاف، المساءلة، احترام التعدّدية، التضامن المؤدّي للمسؤولية الجماعية، الاعتماد على الذات.
-
الروابط: تهدف لإنشاء علاقات إيجابية بين المواطنين من خلال توفير فضاءات لفهم الاختلافات ومحاولة إيجاد حلول لها في ظلّ التنوّع السائد.
-
الثقافة: تشكّل الدعامة الثالثة، لأنها تخلق فضاءً للتعبير عن التنوّع وفرصًا لفهمه وقبوله، ولأنها تقول للأفراد إنهم جميعًا، بذواتهم وقصصهم وتجاربهم وفنونهم وتاريخهم على اختلاف ذلك كلّه، يمثّلون جزءًا لا يتجزّأ من النسيج الاجتماعي والهوية المشتركة.
الواقع التونسي: تنوّع مخفيّ يحتاج اعترافًا
هل يوجد تنوّع ثقافي في تونس بالشكل الذي يستدعي وضع سياسة لإدارة التعدّدية الثقافية؟ أم أنّنا مجتمع متجانس ثقافيًّا وعرقيًّا ولغويًّا ودينيًّا وإيديولوجيًّا؟
أعتقد أن إشكالية الجدل القائم تنبع من محاولة البعض إلغاء أو تقليص قيمة بعض الأبعاد الأساسية للهوية في تونس، ومن محاولة البعض الآخر اختزال الهوية في عدد محدود من أبعادها.
نحن نحتاج للاعتراف بالفوارق الناتجة في إطار المجتمع التونسي والتي تخلق حدودًا بين جماعات فرعيّة: فوارق ناشئة عن البيئة الثقافية المختلفة بين الجهات، واختلاف التجارب الشخصية، وتصوّر الذات، وأنماط الروابط الاجتماعية، وترتيب المبادئ الأخلاقية، ووضعيّة الهويّات المختلطة أو الحدودية التي تنشأ من خلال نشأة بعض المواطنين في بلاد أخرى أو دراستهم بالخارج وتأثّرهم بثقافات أخرى.
تحديد أبعاد الهوية التونسية يجب أن يتمّ بما يخدم العمق الاستراتيجي للدولة. والعروبة والإسلام يشكّلان جوهر هذا العمق جغرافيًّا وتاريخيًّا وسياسيًّا. وفي المقابل نحتاج أيضًا لاعتبار أبعاد أخرى، مثل وجود تونس في تقاطع بين المغرب العربي والمشرق العربي، وانتمائنا لحوض المتوسّط وللقارة الأفريقية وقربنا الشديد من القارة الأوروبية.
عوامل النجاح والفشل
نجاح تجربة التعدّدية الثقافية مرتبط بثلاثة عوامل رئيسية:
-
الحرّيات الأساسية والحماية القانونية: قوانين الحماية ضدّ التمييز العرقي والديني والثقافي، مدعومة بقوّة القوانين الدستورية ومحميّة بمحاكم دستورية مستقلّة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.
-
المؤسّسات والبرامج التطبيقية: إنشاء الهيئات والسياسات العامّة التي تضع القيم موضع التطبيق وتحمي التعايش من احتمالات الاحتكاك والتوتّر.
-
الهوية المدنية المشتركة: السياسات التي تصوغ وتدعم الهوية المدنية المشتركة في سياق ثقافي متنوّع.
أمّا عوامل الفشل فمرتبطة بعدم القدرة على إدارة التعدّدية بالشكل الذي يحقّق السلم الاجتماعي، والتمييز بين الأفراد والجماعات، وعدم توفير الحماية اللازمة لحقوق الأفراد والأقلّيات، والقمع السياسي.
التحدّي الرئيسي للتعدّدية الثقافية لا يتمثّل في تبريرها أو الاستدلال على مشروعيّتها، وإنما يتمثّل في تحديد درجة وحجم الحقوق والامتيازات التي يمكن إعطاؤها للأقلّيات الثقافية بدون إفراط أو تفريط.