في عام 1927 كان عدد سكان الأرض ملياريَ شخص. في عام 2013 تجاوز سبعة مليارات. في عام 2024 تجاوزنا ثمانية مليارات. والتوقعات تُشير إلى أن العدد سيقترب من عشرة مليارات قبل منتصف هذا القرن.
منذ عقود يُعلن الخبراء والهيئات الدولية أن موارد الأرض بمعدلات الاستهلاك الحالية لا تكفي لحياة كريمة لأكثر من اثني عشر مليار شخص. وبعضهم يضع هذا الرقم أدنى من ذلك.
في ظل هذه المعطيات، ألا يدعو للتأمل أن الإنسان ما زال يُهدر طاقته في صراعات الهوية والانتماء؟
وهم الوفرة
الخطأ الأعمق الذي تقع فيه النقاشات السياسية والدينية العالمية هو التصرف كأن الموارد لا نهاية لها. نتنافس على من يحكم ومن يسيطر ومن يُقيم الشريعة ومن يُرسّخ الديمقراطية — وكأن هذه الأسئلة ستُحسم في فضاء غير محدود.
لكن الواقع الفيزيائي للكوكب يفرض قيودا لا تستثني أحدا: الماء يتناقص، والتربة الصالحة للزراعة تتآكل، والمناخ يتغير بصورة تُهدد الإنتاج الغذائي في مناطق شاسعة، والموارد الطاقوية التقليدية محدودة.
أمريكا وحدها — بما يُمثّله نمط حياتها كأرقى نموذج للاستهلاك في العالم — تستهلك لو طبّقه الجميع ما يحتاج خمسة كواكب مماثلة لتوفيره.
خطأ الاستراتيجية الحضارية
النقاشات العربية والإسلامية في العقد الثاني من هذا القرن كانت منهمكة في أسئلة هي بالفعل مهمة: الديمقراطية، والهوية، والإسلام والعلمانية، وحقوق المرأة، والتعددية. هذه كلها قضايا جديرة بالنقاش.
لكن ثمة قضية لم تكن في قلب هذه النقاشات وكان يجب أن تكون: ما مستقبل الحياة الإنسانية على هذا الكوكب؟ وما مسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة في كيفية إدارة الموارد المشتركة؟
الصراع القادم — وفق أغلب التوقعات العلمية — ليس صراعا دينيا أو أيديولوجيا بل صراعا على الموارد: الماء والغذاء والطاقة. ومن يُهيّئ إنسانيته لهذا الصراع يبدأ بخطاب مختلف.
الأنانية كمشكلة محورية
تشترك الأديان والفلسفات الإنسانية الكبرى في تشخيص واحد: الأنانية هي الجذر الأعمق للمشاكل الإنسانية. وما يُسمّيه الإسلام “حبّ الدنيا” وما تُسمّيه الفلسفة الأخلاقية “الأنا المفرطة” — هو في جوهره رفض لأن أفعالي تؤثر على غيري.
مستقبل الإنسانية رهين في الدرجة الأولى بمدى التخلص من هذه الأنانية بمستوياتها المختلفة:
- الأنانية الفردية: استهلاك ما أستطيع دون اعتبار للآخرين
- الأنانية الوطنية: مصلحة بلدي فوق مصلحة الكوكب
- الأنانية الجيلية: حياتنا اليوم على حساب أجيال الغد
- الأنانية الدينية والأيديولوجية: مجموعتي تستحق النجاة وغيرها لا يهم
الإسلام والاستخلاف الكوني
القرآن يُؤسّس لمفهوم الاستخلاف: إني جاعل في الأرض خليفة (البقرة: 30). الإنسان خليفة أي أمين مؤتمن على ما استودعه الله من موارد الأرض.
الاستخلاف الحقيقي — حين يُقرأ بهذا المعنى الواسع — ليس مفهوما طقوسيا ضيقا. هو تعريف للمسؤولية الإنسانية تجاه هذا الكوكب: لا تملكه بل تُديره لمن يأتي بعدك.
وحين يُفهم الإسلام على هذا المستوى يُصبح موردا أخلاقيا قادرا على الإسهام في بناء الإنسانية الكوكبية التي يحتاجها المستقبل.
الإنسانية الكوكبية: ما تعنيه
الإنسانية الكوكبية ليست شعارا عاطفيا — هي برنامج عملي يستلزم:
أولا:** إعادة توزيع الاستهلاك عالميا بصورة تُجفّف التفاوتات الفادحة.
ثانيا:** بناء منظومة دولية حقيقية قادرة على إدارة الموارد المشتركة — الماء والهواء والمناخ — خارج منطق السيادات الوطنية الضيقة.
ثالثا:** ثورة في التعليم تُرسّخ الهوية الإنسانية الكوكبية جنبا إلى جنب مع الهويات الوطنية والدينية والثقافية.
رابعا:** خطاب أخلاقي وديني يُعيد تفسير التراث الروحي الإنساني بما يُعزّز التضامن عبر الحدود.
خاتمة
الخط الفاصل الحقيقي في المستقبل البشري ليس بين مؤمن وملحد، ولا بين ليبرالي ومحافظ، ولا بين شرق وغرب. هو بين من يُدرك أن الحياة الإنسانية على هذا الكوكب مشروع مشترك يستلزم تضامنا حقيقيا، وبين من يُصرّ على أن مجموعته وحدها تستحق.
وهذا الإدراك يستلزم أولا تجاوز وهم الوفرة — والاعتراف بأن الكوكب محدود والإنسانية كثيرة ومسؤوليتنا المشتركة هائلة.