في مؤتمر أكاديمي حول الانتقال الديمقراطي، شاركت بورقة حول دور المجتمع المدني في تونس ما بعد 2011. ما أُقدّمه هنا خلاصة هذه الورقة.

في مارس 2015، كان في تونس 18,000 جمعية مدنية وطنية وجهوية. منها 300 جمعية حقوقية و500 تعنى بتكريس ثقافة المواطنة. رقم ضخم من حيث العدد — لكن الكمية لا تعني الجودة ولا الفاعلية.

تعريف المجتمع المدني: أربعة حلقات

المجتمع المدني مصطلح يُوظَّف بمعانٍ متعددة. أُقترح تعريفه عبر أربع حلقات متداخلة:

الحلقة الأولى — الأشمل: كل ما ليس دولة وليس سوقا. كل تجمّع بشري يقوم على روابط غير القانون العام وغير المصلحة الاقتصادية.

الحلقة الثانية: المنظمات والجمعيات المدنية المنظّمة ذات الطابع التطوعي غير الربحي.

الحلقة الثالثة: الجمعيات التي تُمارس رقابة على السلطة السياسية وتُعبّر عن مصالح الأفراد أمامها.

الحلقة الرابعة — الأضيق وفق المفهوم الخاص بالانتقال الديمقراطي: منظمات المجتمع المدني التي تحمل مشروعا ديمقراطيا واضحا وتعمل على ترسيخ ثقافة المواطنة والمساءلة.

خمس مهام في الانتقال الديمقراطي

يمكن للمجتمع المدني في فترة الانتقال الديمقراطي أن يضطلع بخمس مهام أساسية:

المهمة الأولى: الرقابة. مراقبة أداء السلطات والمؤسسات ورصد الانتهاكات وتوثيقها والتبليغ عنها. هذه وظيفة لا تستطيع الأحزاب السياسية أداءها بنفس الموثوقية لأنها طرف في اللعبة السياسية.

المهمة الثانية: بناء ثقافة ديمقراطية. التعليم الأساسي في حقوق الإنسان والمواطنة والمشاركة لا يكفي. المجتمع المدني يملك مرونة للوصول إلى فئات لا تصلها المؤسسات الرسمية.

المهمة الثالثة: التشاركية. فتح فضاءات للمشاركة العامة في صياغة السياسات — استشارات، استطلاعات، نقاشات عامة — تُعطي للمواطن صوتا بين الانتخابات.

المهمة الرابعة: تمكين المجموعات المهمّشة. النساء، الشباب، سكان المناطق الداخلية، ذوو الإعاقات — هؤلاء يحتاجون منظمات متخصصة تُمثّل مصالحهم.

المهمة الخامسة: تخريج قيادات. المجتمع المدني المدرسة الأولى للقيادة المدنية. من يتدرّب فيه على تنظيم الحملات وإدارة المشاريع واتخاذ القرار يُصبح مؤهّلا للحياة السياسية والمدنية.

ستة عوائق أمام الفاعلية

لكن المجتمع المدني التونسي يواجه عوائق بنيوية تُقلّص من فاعليته الفعلية رغم ضخامة أعداده:

العائق الأول: جودة الكوادر. كثير من الجمعيات أُسّست بحماسة لكنها تفتقر إلى الكفاءات الإدارية والتقنية لأداء مهامها بفاعلية.

العائق الثاني: ضعف التمويل المستقل. الجمعية التي تعيش على التمويل الأجنبي أو الحكومي تجد استقلاليتها مهدّدة. وغياب ثقافة التبرع المحلي الجاد يجعل هذه المشكلة مزمنة.

العائق الثالث: التحيّز السياسي. كثير من الجمعيات المدنية التونسية كانت في الواقع ذراعا غير رسمية لأحزاب سياسية. وهذا يُفقدها مصداقيتها كقطب محايد ومستقل.

العائق الرابع: التشتت والازدواجية. العدد الكبير من الجمعيات يعمل في كثير من الأحيان بدون تنسيق، مما يُسبّب إهدارا للموارد وتكرارا في الجهود.

العائق الخامس: الإشكاليات القانونية والإدارية. بعض الأطر القانونية المنظّمة للعمل المدني وضعت قيودا تُعسّر الحصول على الترخيص أو التمويل.

العائق السادس: غياب التقييم الذاتي. قليل من الجمعيات تُقيّم أداءها بصدق وتُعلن نتائج تقييمها. وبدون ثقافة المحاسبة الداخلية يصعب التطور.

المجتمع المدني كضمانة

الحجة الأقوى لصالح المجتمع المدني القوي هي حجة الاحتياطي الديمقراطي: الديمقراطية التي تقوم فقط على صناديق الاقتراع والأحزاب هشّة أمام أي أزمة. المجتمع المدني القوي والمستقل يُشكّل شبكة أمان: يُرصد الانتهاكات، ويُحشّد الرأي العام، ويُقدّم للمواطنين مسارات للمشاركة بين الانتخابات.

تونس التي حافظت نسبيا على انتقالها الديمقراطي بين 2011 و2021 دينت ذلك جزئيا لوجود مجتمع مدني نشيط اضطلع بهذا الدور التحكيمي والرقابي.

خاتمة

المجتمع المدني “السلطة الخامسة” ليس شعارا خطابيا — هو حاجة وظيفية في أي ديمقراطية جادة. والتحدي أمام تونس وغيرها من مجتمعات الانتقال هو تحويل الكمية العددية الكبيرة من الجمعيات إلى قوة نوعية حقيقية: مستقلة ومحترفة وموثوقة وقادرة على الأثر.

مقترح عملي: مرصد أداء المجتمع المدني

من أكثر الاقتراحات التي أرى فيها قيمة حقيقية هو إنشاء مرصد مستقل لتقييم أداء منظمات المجتمع المدني — يعمل بمنهجية مماثلة لما يفعله مرصد الشفافية الدولي في تقييم الحوكمة الحكومية.

مهام هذا المرصد:

  • رصد الجمعيات النشيطة فعلا من بين العدد الكبير المسجّل
  • تقييم نتائجها وفق معايير محددة مسبقا
  • نشر التقارير للرأي العام والممولين
  • منح شهادات اعتماد للجمعيات التي تستوفي معايير الحوكمة والفاعلية

هذا المرصد سيُمكّن:

  • الممولين الدوليين من توجيه دعمهم للجمعيات الفاعلة لا الوهمية
  • المواطنين من معرفة أي الجمعيات يستحق انخراطهم
  • الجمعيات نفسها من التعلم من تجارب بعضها

الديمقراطية والحياة اليومية

أختم بملاحظة يبدو أنها بديهية لكنها كثيرا ما تُغفَل: الديمقراطية لا تعني فقط الانتخابات الدورية. تعني أيضا مواطنا يملك أدوات التأثير في قرارات تمسّه بين الانتخابات.

المجتمع المدني القوي هو الجسر بين المواطن والدولة في غياب الانتخابات. وحين يضعف هذا الجسر يجد المواطن نفسه أمام خيارين فقط: الاستسلام للقرار أو الاحتجاج في الشارع. وكلا الخيارين له ثمن باهظ.

بناء الجسر — جسر المجتمع المدني المستقل والمحترف — هو العمل الأطول نفسا والأعمق أثرا في مسيرة أي ديمقراطية ناشئة.