ليس الناس فقط من يصنعون “النجوم”… بل الحاجات النفسية والجماعية أيضا
في الفايسبوك العربي، وفي الفضاء العام عموما، تتكرر الظاهرة نفسها: يبرز مفكر، أو داعية، أو كاتب، أو محلل سياسي، فيلتف حوله جمهور واسع بسرعة لافتة، ويُمنح حجما أكبر من حجمه الحقيقي، ثم لا يلبث كثير من هذا الانبهار أن يتراجع عند أول سقطة، أو تناقض، أو موقف صادم، أو ضعف في الامتحان العملي.
هذه الظاهرة ليست مرتبطة بشخص واحد ولا بمجال واحد. رأيناها في الدين، وفي الفكر، وفي السياسة، وفي زمن الحروب، وفي كل مرة تقريبا تتكرر الآلية نفسها بأسماء جديدة.
السبب ليس فقط في الشخص “المصنوع نجمًا”، بل أيضا في البيئة التي تصنع الحاجة إليه. فالجمهور في أزمنة القلق والتشوش والتفكك يبحث عن صوت واضح، ولغة سهلة، وشخصية واثقة، ووجه يمنحه شعورا بالأمان المعرفي أو العاطفي. الناس لا تنجذب دائما إلى الأعمق، بل كثيرا ما تنجذب إلى الأوضح، والأجرأ، والأقدر على التبسيط، والأمهر في الأداء. ولهذا قد يتقدم في المشهد من يحسن التعبير عن الحاجة النفسية للجمهور، لا من يملك بالضرورة أكثر الرصيد العلمي أو الاتزان المنهجي.
ثم إن وسائل التواصل نفسها تغذي هذه النزعة. فهي لا تكافئ التوازن، بل تكافئ الحضور. لا تكافئ التعقيد، بل تكافئ الجملة القاطعة. لا تكافئ التردد المنهجي، بل تكافئ الثقة المسرحية. وهكذا يصعد من يعرف كيف يحول الفكرة إلى عرض، والموقف إلى مشهد، واللغة إلى هوية. فيختلط العلم بالكاريزما، والفكرة بالشخص، والقيمة بالحضور الإعلامي.
وتتدخل هنا أيضا أزمة أعمق: كثير من الناس لا يبحثون عن “فكرة” بقدر ما يبحثون عن “رمز”. لا يريدون فقط من يشرح لهم الواقع، بل من يجسد لهم ما يتمنون أن يكونوا عليه: المتدين العصري، أو المثقف الشجاع، أو السياسي الذي يقول ما لا يجرؤ غيره على قوله، أو المحلل الذي يمنحهم يقينا وسط الفوضى. فيتحول الإعجاب من تقدير محدود إلى نوع من التماهي. وهنا تبدأ المشكلة.
لأن التماهي يرفع الشخص فوق حجمه البشري، ويجعل المتابعين يقرؤون كل ما يصدر عنه بعين الإعجاب لا بعين الفحص. ومع الوقت، تُبنى حوله صورة مثالية لا يحتملها أي بشر. فإذا أخطأ، أو تناقض، أو بان ضعفه، أو ظهر جانب لم يكن الجمهور يريد أن يراه، انهارت الصورة بسرعة، وانقلب بعض الإعجاب إلى خيبة، وربما إلى تشفّ أو عداء. كأن الجمهور لم يكن يحب الشخص نفسه، بل كان يحب الوهم الذي بنوه حوله.
المشكلة إذن ليست في الإعجاب الطبيعي، فهذا أمر بشري، بل في تحويل الإعجاب إلى تعطيل للعقل. ليست في الاستفادة من الأشخاص، بل في الارتهان لهم. ليست في الاعتراف بالتميّز، بل في صناعة الأصنام الرمزية، ولو كانت أصناما فكرية أو دعوية أو سياسية.
أما حماية الذات من هذه الظاهرة، فتبدأ من عدة أمور بسيطة ولكنها حاسمة:
- أولها: التفريق بين قيمة الفكرة وجاذبية صاحبها. فقد يكون الرجل بليغا لكن فكرته ضعيفة، وقد يكون قويا في جانب وضعيفا في جوانب.
- وثانيها: رفض تحويل أي شخص إلى مرجعية مكتفية بذاتها. يؤخذ منه ويُرد عليه، ويستفاد منه في باب، ولا يُسلَّم له في كل الأبواب.
- وثالثها: الانتباه إلى أن حسن الأداء ليس دليلا كافيا على العمق، وأن كثافة الحضور لا تعني صلابة المنهج.
- ورابعها: تدريب النفس على السؤال لا على الافتتان؛ ماذا قال؟ كيف استدل؟ ما الذي أغفله؟ أين حدوده؟ أين تسرعه؟ وأين قوته فعلا؟
النضج الفكري لا يعني أن نعيش بلا إعجاب، بل أن نعجب دون أن نُسلم عقولنا. وأن نقدر الأشخاص دون أن نؤلّههم. وأن نفهم أن كل إنسان، مهما علا، يبقى أكبر من أن يُختزل في زلة، وأصغر من أن يُرفع إلى مرتبة النجاة من النقد.
أعود فأقول:
في زمن المنصات، يصعد كثيرون لأنهم يملؤون فراغا نفسيا ورمزيا قبل أن يملؤوا فراغا علميا. لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا صعد هذا الشخص؟ بل أيضا: ما الذي فينا، وفي واقعنا، وفي بيئتنا الإعلامية، جعلنا مستعدين لهذا الانبهار؟ هنا يبدأ الفهم، وهنا تبدأ الحماية.