قال لي الجار: “منذ سنوات انقطعت تماما عن الخوض في تفاصيل الدين والخلافات الفقهية والسياسية والعقائدية، ورضيت بالقليل من فهم الدين الذي يجعلني أشعر بالسكينة وراحة البال.”

ثم قال: “شعاري هذا الحديث: قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ قال له: ما أعددت لها؟ قال: حبّ الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت.”

جاري جزائري مسلم ملتزم. تعرّفت عليه منذ سنوات في أوتاوا. ليس لاأدريا ولا مُهملا لواجباته الدينية. لكنه أصاب صيغة للسلام مع دينه لا يجدها كثيرون.

مرحلة السباحة في الأعماق

حين كنت صغيرا في الدين — مبتدئا في الطريق — كنت أشبه من يسبح قريبا من الشاطئ: القرآن الكريم، الصلاة، الصوم، الأخلاق الأساسية. واضح وجميل وهادئ.

ثم جاءت مرحلة أخرى — وهي تأتي للكثيرين — حين يُغري البحر الأعمق: الفقه وتفاصيله، والعقيدة ومذاهبها، والسياسة الإسلامية وتياراتها، والخلافات التاريخية والمعاصرة. وينتقل الإنسان إلى أعماق البحر يسبح بكفاءة ظاهرية لكنه يُعرّض نفسه لأخطار لم تكن بجانب الشاطئ.

الجدل الفقهي الذي لا ينتهي. والتكفير المتبادل. والتفرّق والتحزّب. والطاقة الهائلة التي تُهدَر في مسائل لا تُضيف لصاحبها سكينة.

ثم يعود بعضهم إلى الشاطئ — ليس هربا بل نضجا. يعودون بمعرفة أكثر لكن بتعلّق أقل بما لا يُنتج سلاما داخليا.

ثلاثة أبعاد لحديث “أنت مع من أحببت”

الحديث الذي اختاره جاري شعارا يحمل عمقا يستحق التأمل:

البُعد الأول — محبة الله. محبة الله ليست مشاعر عاطفية فحسب — هي اتجاه الإرادة نحو ما يُرضيه. من أحبّ الله حرص على ما يُقرّبه منه واجتنب ما يُبعده. هذا الحرص الناتج عن المحبة أعمق أثرا من الامتثال الناتج عن الخوف.

البُعد الثاني — محبة النبي. محبة النبي تعني الشوق إلى أخلاقه ومنهجه وطريقته في التعامل مع الله والناس. الذي يُحبّ النبي يرى في حياته النبوية نموذجا للرحمة والحكمة والعدل والتواضع — لا فقط مصدرا للأحكام الفقهية.

البُعد الثالث — محبة القيم الإسلامية. من يُحبّ الحق والعدل والجمال والرحمة محبة حقيقية يعيش دينه في كل لحظة — في عمله وعلاقاته وطريقة تعامله مع الآخرين. هذا الدين الحيّ أعمق من الدين الطقوسي المُختزَل في تفاصيل.

تدين التعقيد وتدين السكينة

ثمة فارق حقيقي بين نمطين من التدين يُشاهَدان بوضوح:

تدين التعقيد: يُكرّس طاقة الإنسان في إتقان التفاصيل — أيهما الصحيح من الآراء المتعددة؟ ما الموقف من كل مستجدة؟ من الفرقة الناجية من بين الفرق؟ هذا تدين يُنتج علما ولكنه كثيرا ما لا يُنتج سلاما.

تدين السكينة: يُكرّس الطاقة في العلاقة مع الله والناس. يتعلم ما يحتاجه للعيش بصدق وإحسان، ويترك ما لا يعرف جوابه في يد الله. هذا تدين يُنتج رجلا أو امرأة أمينا بحقيقته، محبّا لمن حوله، هادئ الروح.

وليس المطلوب أن يتخلى أصحاب التدين العلمي الدقيق عن علمهم — العلم نعمة. المطلوب أن يُصاحب هذا العلم سكينة لا توتر، ورحمة لا تكفير، وتواضع أمام ما لا يُحسم.

الضغط الاجتماعي على السكينة

من أصعب ما يواجهه أصحاب التدين الهادئ هو الضغط الاجتماعي: “من لا يُحسم موقفه يُعدّ متهاونا.” “السكينة في الدين ترف في زمن الفتن.” “الصمت تواطؤ.”

هذه ضغوط حقيقية وليست كلها خاطئة. لكن الإجابة عليها ليست التخلي عن السكينة بل تعميقها: السكينة الحقيقية ليست هروبا من المسؤولية بل أداء المسؤولية من مكان الاتزان لا من مكان الانفعال والاضطراب.

الإنسان الهادئ الصادق يستطيع أن يقف للحق ويُقاوم الظلم ويُصرّح بموقفه — لكن من غير أن يفقد السلام الداخلي في العملية. هذا النوع من الشجاعة الهادئة أندر وأثمن من الحماسة الانفعالية.

خاتمة

“أنت مع من أحببت” — خمس كلمات تُلخّص مسارا روحيا كاملا. الدين في جوهره علاقة محبة. ومن أحبّ بصدق، قرب. ومن قرب، اطمأنّ. ومن اطمأنّ، أحسن إلى من حوله.

وجاري الجزائري الذي قرّر منذ سنوات أن يرضى بالقليل الذي يجعله هادئا — هو أحكم مما يبدو.

الفقه الميسّر والفقه المعسّر

ثمة نمط لافت في تاريخ الفقه الإسلامي: العلماء الذين حافظوا على سكينة العلم والحياة معا كانوا غالبا أصحاب الخيارات الفقهية الميسّرة. لم يكن ذلك تساهلا بل رحمة مبنية على فهم عميق لمقاصد الشريعة.

والعالم الذي يُيسّر على الناس ضمن ما تحتمله النصوص يُعبّر عن فهم للدين يختلف عن ذلك الذي يُشدّد في كل مسألة: يرى أن الإسلام جاء ليُعين الناس على حياتهم لا ليُثقّل عليهم.

ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تُصحّح من تشدّد بقولها: “إن رسول الله كان إذا خُيّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.”

السكينة في حياة النبي

أكثر ما يُعلّمني إياه تأمل السيرة النبوية بعيدا عن الجدل الفقهي هو هدوء النبي صلى الله عليه وسلم الأساسي. الرجل الذي يُوصف بأنه “كان وجهه دائما بشّاشا” وبأنه “كان يبدأ بالسلام” وبأنه “كان يُداعب أصحابه” — هذا رجل يعيش سلاما داخليا أصيلا.

والسلام الداخلي لا يأتي من غياب التحديات — النبي واجه من التحديات ما لا يُوصف. يأتي من يقين العلاقة مع الله. وهذا ما جعله قادرا على الصمود في الأزمات وعلى البشاشة في العادات.

حين يصبح الجدل الديني صنما

ثمة خطر خفي في كثرة الجدل الديني: أن يتحوّل الجدل نفسه إلى هدف. بعض الناس يبحثون عن الصواب في الدين، وبعضهم يبحثون عن الانتصار في الجدل. والبحث عن الانتصار يُنتج شخصية لا تعرف الراحة — لأنها دائما في حرب.

والحل ليس التوقف عن البحث الجاد، بل ضبط النية: أبحث لأعرف وأعمل وأعيش بصدق — لا لأنتصر على خصم أو لأُثبت لنفسي أنني أعلم من غيري.