تمهيد: الجدل ليس على “الانتماء” بل على “إنتاج الأفكار”..
حين كتبتُ يوم أمس مقالًا بعنوان: “خطاب الهوية والديمقراطية: بين الرفض العقدي والنقاش الواقعي.. إعادة إنتاج أفكار حزب التحرير: صابر النفزاوي نموذجًا”
لم أكن أسعى لإثبات انتماء حزبي للرجل، ولا يهمّني إن كان عضواً في حزب التحرير أم لا.. فالمشكلة ليست في بطاقة الانتساب، بل في إنتاج الخطاب ذاته، وتدويره بنفس البنية والمقولات والتأصيلات العقدية التي شكّلت الفكر التحريري لعقود.
والأمانة تقتضي القول: إنّ ردّ صابر النفزاوي على مقالي، بدل أن ينفي فرضيتي، أكّدها من حيث لا يشعر.. بل قدّم نموذجًا حيًّا من داخل خطابه ذاته يثبت تطابق البنية الجدلية والتحليلية مع خطاب حزب التحرير، حتى وإن خالفه شكليًّا في بعض الاستراتيجيات.
حين يُنكر الكاتب نصوصه القديمة
في رده، حاول النفزاوي نفي أي تقاطع عضوي مع الحزب، وقدّم بعض المقالات كدليل على خطٍّ فكريٍّ مختلف ومستقل.
لكنّه، وعلى نحو يثير الاستغراب، أغفل متعمّدًا الإشارة إلى واحد من أهم مقالاته القديمة التي قرأتها واستندتُ إليها قبل كتابة مقالي، وهو بعنوان: “النبهاني ومعضلة التلقي: كيف حجب التنظيم نبوغه الفكري؟!”
في هذا المقال، يقدّم النفزاوي قراءة مطوّلة ومتعاطفة للغاية لفكر مؤسس حزب التحرير، تقي الدين النبهاني، ويرى فيه المفكر السياسي الأكثر تكاملًا في تأصيل الحكم الإسلامي، منتقدًا في الوقت ذاته محدودية انتشاره نتيجة ارتباطه الحزبي الصارم.
لكنه لا يرفض أفكار النبهاني، بل يدعو لقراءته خارج الإطار الحزبي، ويعتبره “صائغًا لنموذجٍ بديل للدولة والمجتمع والسياسة”.
كيف نُفسّر هذا الاحتفاء؟ هل يُمكن لكاتب أن يُجلّ مفكرًا دون أن يتأثر جذريًّا بمقولاته؟
النبهاني ليس مفكرًا في الاقتصاد أو البلاغة، بل هو المهندس الأول لمشروع حزب التحرير العقدي والسياسي… وحين يحتفي به النفزاوي، فهو يحتفي بالبنية ذاتها، وإن حاول فصله شكليًا عن “الحزب”.
ثلاث مقالات صريحة… تجاهلها الكاتب عمدًا
الأعجب من ذلك أنّ للكاتب مقالات منشورة في مدونته الشخصية بين عامي 2016 و2017، يظهر فيها تماهٍ واضح مع الطرح “التحريري”، بل وتبنٍّ له في عمق خطابه السياسي والاجتماعي.. ومنها:
مقال بعنوان
حزب التحرير.. صداع في رأس السلطة (2016-08-16)
قال فيه:
“إنّ التبلور الشعبيّ لمطلب استكمال شروط السيادة هو تقدّم (ما) لطرح حزب التحرير… هناك تداخل “مجهري” بين المسارين، وهذا ما تُدركه السلطة الحاكمة”.
“ليس فقط لمرجعيته الإسلامية الأصيلة، بل لطروحاته الثورية الحدّية الصامدة منذ أكثر من نصف قرن”.
مقال بعنوان
التحرش بحزب التحرير في تركيا (2017-03-04)
جاء فيه:
“قرار منع مؤتمر الخلافة في تركيا قرار ترامبي… ويحمل دلالات أمنوية تهدف إلى الحد من فاعلية التيار التحريري”.
مقال بعنوان
السلطة وحزب التحرير.. ونفسي الأمارة بالسوء (2016-09-09)
جاء فيه:
“الحاكمون بأمر السفارات ينقلون صراعهم مع الحزب من فضاء السياسة إلى دائرة الأمن”.
“هي تقول بكل بساطة إنّ مشكلتها مع التحريريين أمنية لا فكرية..”.
هذه النصوص الثلاثة، لا تحمل فقط تفهّمًا لحزب التحرير، بل انحيازًا شبه مباشر لرؤيته، واحتفاءً بقدرته على “إرباك النظام”، بل تُقدّمه باعتباره الطرح الجذري الأكثر صلابة، مع تأكيد لفظي شكلي بعدم الانتماء التنظيمي.
النفي الشكلي، والتبني الكامل للمضمون
في خطاب النفزاوي الحالي، نجد كل مفاتيح الخطاب التحريري التقليدي:
-
رفض الديمقراطية كفكر لا كممارسة فقط
-
نفي شرعية السلطة عبر نزع المشروعية العقدية عنها
-
التمحور حول مفهوم “السيادة لله” مقابل “سيادة الشعب”
-
استخدام الهوية كمحور مفاصلة سياسي
-
نقد المؤسسات الدينية الرسمية باعتبارها أدوات تخدير للنظام
-
تهميش فقه الموازنات والاجتهادات السياسية العملية
-
تغليب الصيغة القطعية على المقاربات الواقعية التدرجية
كل هذه العناصر هي الجوهر العقدي لفكر حزب التحرير.
سواء صيغت بلغة أدبية حديثة، أو بلغة شعاراتية كلاسيكية، فالبنية واحدة، والمفردات متطابقة، والنتائج كذلك.
دليل إضافي
حزب التحرير يحتفي بصابر النفزاوي
الطريف فيما ينكره النفزاوي، أن حزب التحرير نفسه سبق أن أشاد صراحةً بصابر النفزاوي ومواقفه.
ففي نشرة المكتب الإعلامي المركزي للحزب بتاريخ 31 أوت 2016، تمت الإشارة إلى مقال نشره النفزاوي آنذاك بعنوان: “لا أنتمي إليه لكنّي معه حتى نخاع العظم”
وذلك في معرض دفاعه عن “حقوق التحريريين” وتبنّيه لمقولاتهم الجوهرية.
ورغم أن المقال لم يتسنّ لي الاطلاع عليه كاملًا، إلا أن عنوانه وحده كافٍ لفهم درجة الانتماء الفكري، حتى وإن نُفي الانتماء التنظيمي.
وكان الأحرى بالكاتب أن يعترف بهذا المسار الطويل من التبني والترويج، بدلًا من محاولة “التنصل النظري” التي لا تقنع أحدًا.
خلاصة
ما يُعاد إنتاجه لا يختفي خلف النفي
أكرر أن السؤال لم يكن: هل النفزاوي ينتمي تنظيميًا لحزب التحرير؟
بل: هل يعيد إنتاج نفس الخطاب؟ ونفس المنطق؟ ونفس النسق؟
والجواب: نعم.
خلاصة “خطاب” صابر النفزاوي (إن وصفناه تجوزًا بالخطاب):
-
إعادة تدوير لمقولات الحزب الجوهرية
-
احتفاء غير نقدي بمفكر الحزب المؤسس
-
دفاع صريح عنه في كتابات قديمة
-
وتجاهل انتقائي لأي نص قد يُحرج سرديته الحالية
-
إشادة رسميّة من الحزب ذاته بخطابه ومقالاته
وكلها مؤشرات تجعلني أقول بثقة: النفزاوي يكتب بعقل حزب التحرير، حتى وإن أنكر عليه الانتماء.
نعم، هذا لا يعني غياب تطوّرٍ جزئيّ في بعض أفكاره، أو خلوّ مقالاته (وهو غزير الكتابة) من اجتهادات تتمايز شكليًا عن سردية الحزب، ولكنّ العمود الفقري لخطابه ما يزال يدور في فلك المقولات الكبرى التي صاغها حزب التحرير منذ عقود، سواء في تأصيل المفاصلة العقدية، أو في رفض فقه الواقع، أو في ربط النصر بإعادة الخلافة لا بإصلاح النظام.
ختاما،
نقدي لمقولات صابر النفزاوي ليس خصومة شخصية، ولا محاولة تصيّد.
هو دفاع عن الديمقراطية من منطلق إيماني وقناعتي الدينية بأنّه لا تعارض بين التدين الحقيقي، وبين إدارة الشأن العام في فضاء اجتماعي متنوع، عبر آليات ديمقراطية تضمن الحريات وتحفظ الحقوق وتساوي بين المواطنين، وتدفع نحو أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية.
أرفض اختزال الإسلام في رؤى عقدية صدامية تنفي التعدد، وتقصي الاجتهاد، وتُجرّم كل محاولة للتفاعل مع الواقع والعصر.
الديمقراطية، في نظري، ليست عقيدة تنافس الدين، بل إطار مدني يمكن أن يحتضن القيم، ويتيح لمختلف التيارات التعبير والمشاركة، دون إكراه ولا استئصال.