يحتفل شيعة العالم هذه الأيام بذكرى ليلة النصف من شعبان؛ الليلة التي تُعدّ عندهم موسمًا روحيًا واجتماعيًا كبيرًا، وترتبط على وجه الخصوص بذكرى ولادة الإمام المهدي في الوعي الديني الشيعي، وبإحياءٍ يتّسع من العبادة والدعاء إلى الزيارة والخدمة والصدقات والاحتفال الجماعي.

وأنا—بحكم ولادتي في تونس وتربيتي الدينية السنية—لا أستوعب دائمًا مدى ارتباط شيعة لبنان والعراق وإيران بهذه المواسم: عاشوراء، الزيارات، مواسم شعبان… تمرّ أمامي دوريًا عشرات الصور والفيديوهات، وكنت أتوقع أن الارتباط الطقوسي يخص كبار السن فقط، أو أنه يقتصر على مناسبات قليلة في العام. لكنني أتفاجأ مرارًا بالأعداد الهائلة التي لا تضاهيها—في بعض المشاهد—إلا أعداد الحج والعمرة، وأرى حضورًا شعبيًا واسعًا ومذهلًا، ثم يعود السؤال من جديد: كيف تم الحفاظ على هذا الارتباط مع الطقوس والشعائر بهذا الحجم؟ وما مدى ترسّخ القيم الدينية في هؤلاء؟

هذه المقالة محاولة لفهم الظاهرة من داخل منطقها الاجتماعي والثقافي، لا من موقع الإدانة ولا من موقع التقديس، بل من موقع السؤال: كيف تعمل الشعيرة عندما تتحول إلى “نظام حياة” لا إلى “حدث ديني” عابر؟

  1. الشعيرة ليست هامشًا… بل تقويمٌ يصنع العادة

في التجارب الدينية عمومًا، الطقس الجماعي هو إحدى أقوى آليات تثبيت المعنى. لكنه عند كثير من المجتمعات الشيعية ليس مناسبة سنوية فحسب؛ بل تقويمٌ متكرر يشبه “الروزنامة الاجتماعية” التي تنظّم الذاكرة والوقت: مواسم، ليالٍ، زيارات، مجالس، أعمال خدمة، مناسبات فرح ومواساة.

حين تتكرر المناسبة بنفس الإيقاع سنويًا، وتتوسع إلى ما قبلها وما بعدها، وتُربط بالحيّ والعائلة والمؤسسة الدينية والإعلام… فإنها تتحول تدريجيًا إلى عادة جمعية: شيء “متوقع” ومُنتظر، لا يحتاج كل مرة إلى قرار فردي جديد. وهنا نقطة مهمّة: الحفاظ على الارتباط لا يعني دائمًا أن كل فرد يشارك نتيجة “تحليل ديني واعٍ”، بل قد يشارك لأن البيئة الاجتماعية كلها “مضبوطة” على هذا الإيقاع.

  1. كربلاء والانتظار: سردية معنى قبل أن تكون خبرًا تاريخيًا

من الصعب فهم الظاهرة إذا حصرناها في أنها “طقوس” أو “تعبيرات عاطفية”. الأعمق من ذلك أنها سردية معنى. في عاشوراء مثلًا، ليست القضية مجرد استحضار لمقتل الحسين رضي الله عنه—كما يراه السني—أو مقتل الإمام الحسين عليه السلام—كما يراه الشيعي—بل استحضارٌ لمنظومة رمزية كاملة: ظلم وعدالة، تضحية وثبات، موقف أخلاقي في وجه الاستبداد، وذاكرة جماعية للجرح والنجاة.

وفي النصف من شعبان، هناك سردية موازية: الأمل والانتظار. الانتظار هنا ليس انتظارًا سلبيًا لدى الجميع، لكنه يشتغل رمزيًا بوصفه “معنىً جامعًا”: وعدٌ بالعدل النهائي، وسردية تُطَمْئن الجماعة وتشدّها إلى فكرة أن التاريخ ليس عبثًا.

عندما تمتلك جماعةٌ دينية سرديةً قادرة على تفسير الألم والمعاناة والظلم، وتمنح أتباعها لغةً للتماسك والصبر والهوية، فإن هذه السردية تصبح وقودًا دائمًا للطقس. لذلك لا يعود الطقس ترفًا، بل “لغة حياة”.

  1. منظومة اجتماعية كاملة: العائلة، الحيّ، المؤسسة، الخدمة

كثيرون يتوهمون أن استمرار الشعائر بهذا الحجم سببه “رجال الدين فقط”. لكن الواقع أوسع: هناك شبكة متداخلة تُعيد إنتاج المشاركة جيلاً بعد جيل.

• العائلة: الطفل لا يتعلم الشعيرة كمعلومة بل كخبرة معاشة: لباس، مجلس، دعاء، طعام، خدمة، زيارة، لقاء أقارب… فتتحول المناسبة إلى جزء من ذاكرة الطفولة.

• الحيّ والروابط المحلية: وجود حسينيات/مراكز/لجان يجعل المشاركة سهلة وقريبة، لا تحتاج إلى “مشروع سفر” أو قرار ثقيل.

• المؤسسة الدينية والاجتماعية: في كثير من البيئات، لا تقوم بدور الوعظ فقط، بل بدور التنظيم والتعبئة الخيرية والتكافل والأنشطة الشبابية والتعليم غير الرسمي.

• الخدمة (الخِدمة): وهي عنصر حاسم في فهم المشهد. حين تتحول الشعيرة إلى فرصة لخدمة الناس: إطعام، تنظيم، إسعاف، استقبال، تبرّع… يصبح الانخراط ممكنًا حتى لمن لا يمتلك ثقافة دينية عميقة. لأنه يشعر أنه “يفعل شيئًا نافعًا”.

الخدمة تجعل المشاركة فعلًا لا مجرد حضور. والفعل أقوى من الفكرة في تثبيت الانتماء.

  1. لماذا يبدو الحضور الشبابي واسعًا؟

من خارج التجربة، قد يبدو لك حضور الشباب “غير متوقع”، لأنك تربط التدين المتشدد أو الطقوس الثقيلة عادةً بكبار السن. لكن الشباب في كثير من السياقات يبحث عن ثلاثة أشياء توفرها هذه المواسم بكثافة:

الانتماء: جماعة واضحة، هوية محسوسة، شبكة علاقات.

المعنى: قصة كبرى تتجاوز التفاهة اليومية، وتقدّم تفسيرًا للواقع.

التجربة: صوت، دمعة، دعاء، إنشاد، حركة، خدمة، رحلة… أي تجربة كاملة لا خطابًا نظريًا.

هذا يفسر لماذا قد تجد شابًا لا يقرأ كثيرًا في الفقه، لكنه حاضر في خدمة الزوار أو تنظيم المجلس. إنه يرى نفسه داخل “مشروع” لا داخل “درس”.

  1. الإعلام لا يصنع الظاهرة… لكنه يضاعف أثرها

العصر الحديث يضيف طبقة جديدة: الصورة المباشرة. بث مباشر، مقتطفات، خطباء مؤثرون، مقاطع قصيرة… الصورة لا تخلق الشعيرة من العدم، لكنها:

• تجعلها مرئية عالميًا،

• تخلق “عدوى مشاركة” (إن صح التعبير)،

• تُشعر الفرد بأنه جزء من حدث كبير يتجاوز مدينته.

ولهذا قد يبدو الحجم “مذهلًا” لمن يراه عبر الشاشات، لأن الصورة بطبيعتها تضخّم إحساس الكتلة. لكن ذلك لا يعني أن الكتلة وهم؛ بل يعني أن الإعلام جعلها “حاضرة” في بيوت العالم.

  1. السؤال الأصعب: هل كثافة الشعيرة تعني ترسّخ القيم؟

هنا يلزمنا تمييز دقيق، لأن الخطأ الشائع هو اختزال التدين في “الحضور”. الشعيرة تقيس شيئًا مهمًا: قوة الهوية والتماسك. لكنها لا تقيس وحدها “الأخلاق” أو “الالتزام” أو “التديّن الفردي” بكل طبقاته.

يمكن أن نقول إن هناك أربع طبقات متمايزة:

• طبقة الهوية: “أنا أنتمي”. هذه عادةً قوية جدًا في المجتمعات التي تجعل الشعيرة مؤسسة اجتماعية.

• طبقة العاطفة والمعنى: التعاطف، الوجد، استحضار العدالة، الارتباط بالمثال الأخلاقي. هذه أيضًا واسعة.

• طبقة المعرفة الدينية والفقه: مقدار الاطلاع والالتزام التفصيلي. هذه متفاوتة جدًا، مثل أي مجتمع.

• طبقة الأخلاق والسلوك المدني: الصدق، الأمانة، احترام القانون، السلوك الاقتصادي… وهذه تتأثر بعوامل كثيرة: التربية، الدولة، الفقر، الحرب، الفساد، الثقافة العامة… وليس فقط بالدين.

إذن، الإجابة الأقرب للإنصاف:

نعم، الشعائر تدل على ترسّخ “الهوية الدينية الجمعية” بقوة.

أما “القيم الدينية” بمعناها الأخلاقي والسلوكي الكامل، فهي متفاوتة داخل الجمهور، كما تتفاوت في كل مجتمع ديني كبير.

بل قد تكون الشعيرة نفسها—عند بعض الناس—جسرًا نحو القيم، وعند آخرين مجرد هوية اجتماعية. وهذا طبيعي في أي دين عندما يصبح جزءًا من الحياة العامة، لا شأنًا فرديًا فقط.

  1. ماذا نتعلّم نحن (من خارج التجربة)؟

بدل أن نقف عند الدهشة، يمكن أن نستخلص دروسًا عامة:

• قوة التنظيم: الجماهير لا تتجمع بهذا الحجم بلا شبكة عمل تطوعي فعلي.

• التربية عبر التجربة: الوعظ وحده لا يبني ارتباطًا؛ التجربة الحية تفعل.

• المعنى الجامع: المجتمعات تحتاج سردية أخلاقية كبرى، وإلا تفتتت أمام اليوميّ.

• التكافل: حين يصبح الدين خدمةً للناس، يصبح أقرب للقلوب وأقدر على الاستمرار.

هذه الدروس لا تعني بالضرورة نقل التجربة كما هي، ولا الحكم عليها، بل فهم “كيف تعمل” اجتماعيًا.

قد لا أتحول—وأنا ابن تربية سنية تونسية—إلى شخص “يفهم كل شيء” في التجربة الشيعية الطقوسية، لأن الفهم الكامل يحتاج معايشة طويلة لا أظن أنني سأفعلها

. لكن يمكنني أن أفهم شيئًا أساسيًا: أن ما أراه ليس مجرد طقس لفئة من كبار السن ولا مناسبة عابرة؛ بل منظومة هوية وذاكرة وخدمة ومعنى، استطاعت أن تحفظ نفسها لأن المجتمع كله يشارك في إنتاجها، ولأنها تُشبع حاجات نفسية واجتماعية وروحية متشابكة.

أما القيم الدينية، فهي ليست نتيجة آلية للحشود. لكنها قد تكون—عند كثيرين—السبب العميق للحضور، وقد تكون عند آخرين مجرد هوية أو عادة. والإنصاف يقتضي ألا نعمّم، وألا نسخر، وألا نختزل البشر في لقطة واحدة.