كثير من التونسيين — وأكثر مما نظن من مجتمعات أخرى — يعانون من “فقدان المرونة” في عالم يتغير بسرعة متصاعدة. وما أُريد تأكيده هو أن هذه الظاهرة لا تخص تيارا بعينه: هي موجودة عند المتدينين وغير المتدينين، عند اليمين واليسار، عند من يُرفع اسمه على أنه مُجدّد ومن يُرفع اسمه على أنه محافظ.

الجمود الثقافي ظاهرة نفسية وثقافية — ليست أيديولوجية.

دورة الرفض والاستسلام

لاحظ الباحث إبراهيم الدغيري — في تحليله لمقاومة التغيير — نمطا متكررا يمكن تسميته “دورة الرفض والاستسلام”:

المرحلة الأولى — الرفض الفوري: حين يظهر أي تغيير اجتماعي أو ثقافي جديد، يكون رد الفعل الأول في الغالب: الرفض والتحذير والخوف والتوجس. “هذا خطر”، “هذا تغريب”، “هذا انحراف عن الأصول.” لا تحليل ولا تمييز — فقط رفض.

المرحلة الثانية — المقاومة الحادة: حين يستمر التغيير رغم الرفض الأول، تشتد المقاومة وتصبح أكثر عدوانية. الخطاب يرتفع والانفعالات تتحرك.

المرحلة الثالثة — الاستسلام الصامت: حين يتجذّر التغيير ويُصبح جزءا من الواقع، يحدث شيء لافت: الرافضون يصمتون ببطء. لا يُعلنون تغيير موقفهم. لا يُراجعون حججهم السابقة. فقط يصمتون ويتصرفون كأن الموضوع انتهى.

هذه الدورة ظاهرة ولافتة. وما يُثير الاهتمام هو أن النتيجة النهائية — الاستسلام الصامت — كثيرا ما تُشبه القبول الضمني للتغيير الذي رُفض في البداية.

الرفض الديني والرفض العلماني: نفس النمط

من أكثر ما يُلفت النظر أن نفس الدورة تتكرر عند الفريقين المتنافسين في المشهد التونسي:

عند المتدينين: حين ظهرت ممارسات اجتماعية جديدة — سواء كانت في الملبس أو السلوك أو الترفيه — كان الرد الأول رفضا دينيا حادا. ثم تراخى الأمر ببطء حتى أصبحت كثير من هذه الممارسات مقبولة في بيئات كانت ترفضها.

عند العلمانيين: حين ظهرت التعبيرات الدينية في الفضاء العام — الحجاب في الجامعة، أو اللحية في المرفق العام، أو إقامة الصلاة في مكان العمل — كان الرد الأول رفضا وتضييقا. ثم تعوّدوا عليها ببطء.

كلا الفريقين يمر بنفس الدورة. وهذا يدل على أن الظاهرة نفسية-ثقافية أعمق من الانتماء الأيديولوجي.

جذور الجمود

ما الذي ينتج هذا الجمود؟

الخوف من الهوية: كثيرا ما يُشعر التغيير الاجتماعي الإنسان بتهديد لهويته الراسخة. من اعتقد طويلا بحتمية نمط معين ثم رأى الواقع يُعارضه يشعر بأن هويته نفسها مهددة — لا فقط أن قناعته المحددة خاطئة.

الاعتماد على النص التاريخي: الأشخاص الذين يُعالجون النوازل الجديدة حصرا من خلال “النصوص اللفظية التاريخية القبلية” — كما يسميها الدغيري — يجدون صعوبة في التعامل مع ما لم يُعالجه هذا النص مباشرة.

غياب منهجية التفكير في التغيير: التفريق بين التغيير الذي يُحسّن الحياة الإنسانية والتغيير الذي يُضرّ بها — هذا مهارة تحتاج تدريبا وصبرا. وحين تغيب هذه المهارة يُصبح الحكم بالرفض “احتياطيا” هو الأسهل.

المرونة كمهارة ديمقراطية

المرونة في مواجهة التغيير ليست إعلانا عن اللامبالاة. هي القدرة على:

  • التمييز بين التغيير المقبول والتغيير الضار دون اللجوء إلى الرفض الفوري للجديد.
  • المراجعة الصادقة للموقف حين تتبدل المعطيات.
  • الاعتراف علنا بأن الرأي القديم كان مخطئا حين يثبت ذلك.
  • الاستعداد للعيش في مجتمع يختلف بعض أفراده في قيم لا تمسّ الحرية والعدل.

هذه مهارات الديمقراطية الحية. والمجتمع الذي لا يُنمّيها في أفراده يجد ديمقراطيته السياسية هشّة لأنها لا تستند إلى ثقافة ديمقراطية حقيقية.

خاتمة

الجمود الثقافي في مجتمعاتنا ليس قدرا محتوما. هو نتيجة قصور في التعليم والتربية والنماذج القدوية. وإصلاحه يبدأ بالاعتراف بوجوده — لا تحميله لتيار بعينه بل النظر إليه كظاهرة مجتمعية تمسّ الجميع.