في يناير 2016، في الذكرى الخامسة للثورة المصرية، كتبت نوارة نجم — ابنة الشاعر أحمد فؤاد نجم وأحد رموز شباب الثورة المصرية — مقالا مُسكِتا. كتبت فيه بمرارة وصدق مُدهشَين: “ربما كان الخطأ الوحيد الذي اقترفته الثورة أنها بالغت في النبل والزهد والتعفف.” ثم قالت لأطفالها: “المرة الجاية لما تعملوا ثورة، خططوا تاخدوا الحكم.”

قرأت هذا الكلام فتوقفت طويلا. ليس لأنني أتفق معه في كل تفاصيله، بل لأنه يُجسّد حجم خيبة الأمل التي أصابت كثيرا من الشباب الذي عاش الثورة حلما وعاش ما تلاها كابوسا.

الثورة السياسية وحدودها

الثورات العربية في 2011 أسقطت أنظمة. هذا إنجاز حقيقي لم يكن متوقعا قبله بسنة. لكنها اكتشفت سريعا أن إسقاط رأس النظام أسهل بكثير من تغيير ثقافة السلطة.

الإشكال لم يكن فقط في “نبل الثوار وزهدهم” — كما تقول نوارة نجم. كان أعمق من ذلك: الثورات السياسية في العالم العربي لم تكن في كثير من الحالات مصحوبة ولا مُسبَقة بإصلاح ديني وثقافي عميق بالقدر الكافي.

وحين يغيب الإصلاح الثقافي والديني، تملأ الفراغ الأيديولوجيات الجاهزة — سواء كانت أيديولوجيا الدولة العميقة التي تعرف كيف تُعيد إنتاج نفسها، أو الأيديولوجيا الدينية السياسية التي تملك خطابا لتنظيم المجتمع.

ما معنى الإصلاح الديني هنا؟

حين أقول “إصلاح ديني” لا أعني نبذ الدين ولا تقليص دوره — هذا طرح آخر له أصحابه. أعني شيئا مختلفا:

إصلاح الفهم الديني الذي يُؤبّد السلطة ويُحرّم المساءلة. كثير من التراث الفقهي والكلامي العربي بنى علاقة بين الدين والسياسة تجعل طاعة الحاكم واجبا شبه مطلقا. هذا الفهم لا يُوافق نصوصا قرآنية ونبوية كثيرة تأمر بالعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه سيطر ثقافيا.

وإصلاح الخطاب الديني الذي لا يُعلّم الناس مهارات المواطنة والمشاركة والمساءلة — بل يُعلّمهم الخضوع والصبر وترك الأمور لله. هذا ليس الإسلام كله، لكنه ما وصل للناس من الإسلام في بيئات كثيرة.

درس نوارة نجم والدرس الأعمق

نوارة نجم في عبارتها المرّة عن “التخطيط لأخذ الحكم” تقول شيئا صحيحا على مستوى: الثورة بلا استراتيجية للسلطة تتركها فريسة لمن يملك هذه الاستراتيجية. لكن ثمة حقيقة أعمق: الثورة بلا إصلاح ثقافي وديني عميق تنتج مجتمعا يُعيد انتخاب استبداده بأشكال مختلفة.

لأن الاستبداد ليس فقط في مؤسسات الدولة — هو في نسيج العلاقات الاجتماعية وفي المخيّلة الجمعية وفي كيفية فهم الناس للسلطة والطاعة والمشاركة والمساءلة.

ولم تُعالج ثورة 2011 هذا المستوى إلا في حدوده الدنيا.

تونس: الاستثناء النسبي

من المنصف أن نُشير إلى أن تونس كانت استثناء نسبيا في هذا المسار. الانتقال الديمقراطي التونسي — رغم اعثراته وصعوباته — احتوى بذور نقاش ثقافي وديني أعمق: حول طبيعة الدولة، وحول الحريات الفردية، وحول إصلاح التعليم الديني.

هذه النقاشات لم تُحسَم، لكنها جرت. وهذا وحده فارق مهم مقارنة بما جرى في مصر وليبيا وسوريا، من غير أن يجعل التجربة التونسية بمنأى عن التعثر.

خاتمة

الدرس الخامس عشر من ثورات الربيع العربي — الذي يكاد يكون بديهيا اليوم — هو أن الثورة السياسية شرط ضروري لكنه غير كافٍ. الشرط الآخر — الأصعب والأطول — هو إصلاح الثقافة والفهم الديني والمخيّلة الجمعية حول السلطة والمسؤولية والمشاركة.

بلا هذا الإصلاح الأعمق، تظل الثورات السياسية تُنتج انتكاسات.