يقولون إن الثورة في تونس ومصر وغيرها كانت من أجل الحرية والكرامة والعدالة. وهذا صحيح لكنه ليس كل الحقيقة.

في نظري، كانت هذه الثورة أيضا شكلا من أشكال الرفض والاحتجاج على أداء طبقة حاكمة أخفقت في الحد الأدنى من الإتقان في إدارة الشأن العام. كانت ثورة على سوء الجودة قبل أن تكون ثورة على الاستبداد — أو بعبارة أدق: كانت الاثنتان وجهين لعملة واحدة.

ما هو الإتقان؟

الإتقان ثلاثة شروط في آن:

الأول: أداء العمل دون خلل. أي الوصول إلى مستوى يجعل العمل صالحا للغرض الذي أُعدّ له.

الثاني: الالتزام بمتطلبات العمل من قواعد وتقنيات ومعايير معروفة مسبقا. ليس اختراعا لقواعد جديدة في كل مرة بل ضبط لما تعارف عليه أصحاب المجال.

الثالث: الإنجاز في الوقت المحدد. التأخير غير المبرر خيانة لمن ينتظر وضياع لقيمة العمل.

والقرآن يقدّم هذا المفهوم بلفظين: الإتقان في قوله تعالى صنع الله الذي أتقن كل شيء (النمل: 88)، والإحسان في قوله إن الله يحب المحسنين (البقرة: 195). ويستأنس كثير من الناس هنا بالحديث المشهور: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”، وإن كان المقصود عندي في هذا المقال أوسع من الاستناد إلى نص واحد بعينه.

لماذا غاب الإتقان في حياتنا؟

الغياب ليس مصادفة. له أسباب بنيوية:

غياب المعايير الواضحة: حين لا يوجد معيار محدد لما يُعدّ “جيدا” في الوظيفة أو المنتج أو الخدمة، يصبح كل أداء مقبولا ولا أحد يُحاسب على ما هو دون ذلك.

ثقافة “المهم خلص”: الإنجاز السريع المعيب أفضل — في ثقافتنا أحيانا — من الإنجاز البطيء المتقن. والعجلة تصنع نتائج عاجلة رديئة تُكلّف إصلاحها أكثر من إتقانها ابتداء.

غياب المحاسبة: المسؤول الذي يُقدّم عملا رديئا ولا تترتب على ذلك عواقب لن يكلّف نفسه جهد الإتقان في المرة القادمة.

ضعف القدوة: الإتقان ينتشر في البيئات التي يرى فيها الناس الإتقان من حولهم. والبيئة التي يسود فيها الاستسهال تُعيد إنتاجه جيلا بعد جيل.

الثورة والإتقان: رابط لم يُفهَم

ما يُحزنني في تحليلات الربيع العربي أن كثيرا منها تناول أبعاده السياسية والاقتصادية وأهمل البُعد الثقافي — ومنه ثقافة الجودة والإتقان.

الثورة أسقطت رموزا لكنها لم تُغيّر — إلا في حالات محدودة — ثقافة الأداء المؤسسي. الموظف الذي كان يُؤدي عمله باستسهال تحت النظام القديم كثيرا ما واصل نفس الأداء تحت النظام الجديد. والمؤسسة التي كانت تُنتج خدمة رديئة حافظت على ردائتها.

لأن الثورة غيّرت القمة ولم تُغيّر القاعدة. وقاعدة أي نظام هي الثقافة — ومنها ثقافة الجودة.

مجالات الإتقان الحياتية

الإتقان ليس مطلوبا فقط في المؤسسات الكبرى — هو مطلوب في كل مجال:

في تربية الأبناء: الأب أو الأم الذي يُؤدي دوره بإتقان يُعطي وقتا ومهارة وانتباها حقيقيا لا مجرد حضور فيزيائي.

في التعليم: المعلم الذي يُعدّ درسه ويُراعي احتياجات الطلاب المختلفة يُؤدي واجبا إلى من سيستمرون في حمل ما علّمهم.

في العمل المهني: من يُتقن عمله يُقدّم للآخرين منتجا أو خدمة يستحقانها، ويصون كرامته الشخصية أمام ما يُنجز.

في العبادة: الإتقان فيها يعني الحضور القلبي لا أداء الحركات فقط.

خاتمة

الثورة الحقيقية — في أعمق معانيها — هي ثورة على قبول الرداءة. وهي تبدأ بالفرد قبل المؤسسة: حين يقرر كل منا ألا يُقدّم عملا دون أن يكون مُتقَنا بما في استطاعته. تلك الثورة الصامتة في ثقافة العمل هي الشرط غير المُعلَن لأي إصلاح مؤسسي حقيقي.

الإتقان والمساءلة: وجهان لعملة واحدة

ثقافة الإتقان لا تنشأ بالدعوة وحدها — تنشأ حين تُصبح المساءلة حقيقية. في البيئات التي تُطبّق فيها معايير الجودة ويُحاسَب على الإخفاق يرتفع الأداء. وفي البيئات التي لا توجد فيها هذه المعايير أو لا تُطبَّق ينخفض الأداء إلى المستوى الأدنى المقبول.

ولهذا تجد أن نفس الشخص يُؤدي بمستويات مختلفة في بيئات مختلفة: المهاجر العربي الذي كان متساهلا في عمله في بلده يُصبح دقيقا ومنضبطا في بلد المهجر — ليس لأنه تغيّر هو بل لأن البيئة المؤسسية تطلب ذلك وتُحاسب عليه.

هذا الدرس يحمل رسالة مهمة: الإصلاح الثقافي لا يكفي وحده. يحتاج إلى إصلاح مؤسسي يُنشئ بيئة تُكافئ الإتقان وتُعاقب على الاستسهال.

الإتقان والكرامة

ثمة علاقة عميقة بين الإتقان وكرامة الإنسان لم تُستوفَ حقها في النقاش العربي.

الكرامة ليست فقط ما يُعطيك إياه الآخرون من تقدير — هي أيضا ما تكتسبه من احترام نفسك حين تعرف أنك أدّيت ما عليك بأفضل ما تستطيع. والعامل الذي يُؤدي عمله بإتقان يحمل كرامة مهنية لا تنتزعها منه ظروف ولا تشمله إهانة السلطة.

ولهذا أعتقد أن أحد الأبعاد غير المُصرَّح بها في ثورات الربيع العربي كان الغضب من إهانة الكرامة المهنية: المهندس الكفء الذي لا يُرقَّى لأنه لا يعرف الشخص المناسب، والطبيب المتقن الذي يرى أن الترقيات تذهب لغيره بسبب الولاءات. هؤلاء ثاروا جزئيا لأن نظاما لا يُكافئ الإتقان أهانهم.