ألّفت كتابا يحمل عنوان “بين الوحي والتأويل: العدل والإحسان في تفكيك الطائفية.” وفي هذه الصفحات أُقدّم الفكرة المحورية التي يقوم عليها.

سأبدأ بسؤال بسيط: لماذا يتشاجر المسلمون في ما بينهم حول الإسلام؟ ولماذا تتحول الخلافات الدينية في أحيان كثيرة إلى عداوات وأحكام بالخروج من الملة؟

الجواب الذي توصلت إليه بعد سنوات من التأمل والدراسة: لأن كثيرين منهم يخلطون بين شيئين ينبغي أن يُميَّز بينهما بوضوح — الوحي والتأويل.

الوحي والتأويل: فارق جوهري

الوحي هو النص المؤسِّس: القرآن الكريم. كلام الله المحفوظ الذي انتهت به الرسالة الإلهية. وهو ثابت وموحَّد ومعصوم من التحريف.

التأويل هو الفهم البشري لهذا الوحي: كل ما أنتجه العلماء والمفكرون والفقهاء والصحابة والتابعون وسائر أبناء الأمة من تفسير وفقه وعقيدة وتشريع. وهو في طبيعته متنوع ومتغير وقابل للخطأ والصواب.

هذا الفارق يبدو بديهيا حين يُقال صراحة. لكن ممارساتنا الدينية اليومية كثيرا ما تتجاهله: نُقدّم آراء الفقهاء كما لو كانت حكم الله، ونُدافع عن اجتهادات التابعين بنفس الحرارة التي ندافع بها عن الآيات القرآنية، ونُكفّر من يخالف مذهبنا كما لو كان يخالف الوحي نفسه.

كيف تحوّل الخلاف السياسي إلى شقاق عقدي

التاريخ الإسلامي يُعلّمنا أن معظم الانقسامات الكبرى بدأت سياسية — من يقود؟ من يحكم؟ من له الحق في الخلافة؟ — ثم تحوّلت بمرور الوقت إلى انقسامات عقدية: كل تيار بدأ يُنتج فقهه الخاص وعقيدته الخاصة وتفسيره الخاص لتعزيز موقفه السياسي.

وحين تتحول المواقف السياسية إلى عقائد دينية، تزداد الخلافات حدة ويصعب حلها. لأن التنازل عن الموقف السياسي ممكن — أما التنازل عن العقيدة فيُشبه الخيانة.

هذه الآلية — تحويل الخلاف السياسي إلى شقاق عقدي — هي المصنع الحقيقي للطائفية الإسلامية.

المذاهب حين تقترب من صورة “الأديان الموازية”

ما آل إليه بعض فهم المذهبية الإسلامية في مراحل تاريخية معينة يقترب أحيانا مما يمكن تشبيهه بـ”الأديان الموازية”: حين يُنتج كل مذهب أو تيار هويته الدينية الكاملة بصورة تنافس الإسلام الجامع. فتُصبح الانتماءات المذهبية أو الطائفية أقوى من الانتماء للإسلام المشترك.

والمؤمن الذي يُقدّم انتماءه المذهبي على انتمائه الإيماني يُعيش انتكاسة في سلّم الأولويات — حتى لو لم يُدرك ذلك.

المعيار القرآني: اختبار النحل

القرآن يُقدّم معيارا واضحا يُمكن تسميته “اختبار النحل” — في إشارة إلى الآية القرآنية: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ (النحل: 90).

العدل والإحسان كمعيارَين لتقييم الخطاب الديني: هل يقوم على العدل في تمثيل الآخر وفي الحكم عليه؟ هل فيه إحسان في التعامل مع المختلف؟

وما يُلفت النظر في هذه الآية أن الله يبدأ بالعدل قبل أن يُطالب بالإحسان — لأن العدل أساس، والإحسان فضيلة تتجاوز الأساس. من يُخل بالعدل في تمثيل الآخر لا يستطيع أن يُحسن التعامل معه.

الكتاب ليس دعوة للتنازل

ما يجب التوضيح هو أن التمييز بين الوحي والتأويل لا يعني التساوي بين جميع التأويلات. بعض الاجتهادات أقوى دليلا وأكثر اتساقا من غيرها، وهذا التمييز ضروري ومشروع.

ما يعنيه التمييز هو: نقد التأويلات بوصفها تأويلات بشرية قابلة للنقد والمراجعة — لا بوصفها وحيا إلهيا لا يُمس. وهذا يُتيح النقاش الحضاري بدل التكفير المتبادل.

خاتمة

الطائفية الإسلامية لن تُحل بتجاهل الاختلافات العقدية ولا بادعاء أنها غير موجودة. تُحل بإعادة الاختلافات إلى موضعها الصحيح: اختلافات بشرية في تأويل نص إلهي مشترك. وحين يدرك الطرفان أن ما يتنازعان عليه ليس الوحي بل تأويله، تصبح المحادثة ممكنة.