حين أقرأ كتابا فكريا أو فلسفيا من تأليف مثقف عربي وأجد نفسي أُعيد قراءة الجملة الواحدة ثلاث مرات دون أن أفهمها، أسأل نفسي: هل المشكلة في محدودية فهمي؟ أم في غموض الكاتب؟ والجواب في أغلب الأحيان: كلاهما، لكن بدرجات متفاوتة من نص إلى آخر.
الغموض الفكري ظاهرة منتشرة في الكتابة العربية — ليس لأن الأفكار المطروحة بالضرورة معقدة، بل لأن أسلوب العرض يُكرّس الغموض بوصفه علامة على العمق. وهذا خلط شائع يحتاج إلى تفكيك هادئ بين عمق الفكرة وطريقة عرضها.
العمق ليس الغموض
نعم، بعض الأفكار العميقة تتطلب جهدا من القارئ لاستيعابها. هذا حق. لكن ثمة فرقا جوهريا بين:
الغموض الضروري: يأتي من طبيعة الفكرة نفسها التي لا تنتمي إلى التجربة المباشرة وتحتاج إلى بناء تدريجي. كالتفسيرات الفيزيائية للكم أو بعض مسائل الفلسفة الوجودية.
الغموض الاصطناعي: يأتي من توظيف مصطلحات معقدة لأفكار بسيطة، ومن جمل يصعب فهمها ليس لعمق مضمونها بل لضعف بنيتها أو تراكم مصطلحات تقنية فوق بعضها دون ضرورة.
الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي قال ما معناه: “لا أحب الكلمات التي تُستخدم لإغماض ما يمكن قوله بوضوح.” وهذا ليس دعوة إلى التبسيط المُخلّ، بل دعوة إلى الأمانة الفكرية: إذا استطعت أن تقول الفكرة بوضوح فلا تُغمّضها.
المسؤولية الأولى: رفع السقف لا خفضه
على النخبة الفكرية مقاومة ضغط التبسيط الشعبوي. الوضوح لا يعني الاستسهال. والمفكر الذي يُقلّص أفكاره لما يُريده الجمهور سماعه يُلغي دوره الحقيقي.
الفكر الجاد يطرح الأسئلة الصعبة، ويُشير إلى تعقيد الواقع حيث يميل الآخرون إلى التبسيط، ويُقدّم تحليلات تُزعج الرأي العام أحيانا أكثر مما تُريحه. هذا ليس ترفا فكريا — هو وظيفة.
المسؤولية الثانية: اللغة الوسيطة
لكن الوضوح في الأسلوب فضيلة أخرى مستقلة. والمفكر الذي يعجز عن إيصال أفكاره الجيدة إلى من يحتاجونها يرتكب نوعا من التقصير — خاصة في عصر ثورة الاتصال والمنافسة الشديدة على الانتباه.
اللغة الوسيطة هي الجسر بين عمق الفكرة وأسلوب عرضها. وهي تتطلب:
التدرج في الشرح: البدء بما يُشاركه القارئ من خبرة ثم الانتقال إلى المفهوم الجديد تدريجيا.
توظيف الأمثلة الحية: الفكرة المجردة تُصبح مفهومة حين تجد لها مثالا من الحياة الفعلية.
الاقتصاد في المصطلح: لا تُستخدم مصطلحا تقنيا إلا إذا لم يكن للفكرة ترجمة أبسط.
الجملة القصيرة حيث أمكن: الجملة الطويلة المتشابكة تجعل القارئ يضيع في بنيتها قبل أن يصل إلى معناها.
لماذا هذا مهم في السياق العربي؟
في المجال العربي تحديدا، الهوة بين الإنتاج الفكري الجاد وعامة المتعلمين واسعة بصورة لافتة. والأسباب متعددة — منها اجتماعي وسياسي وتعليمي — لكن جزءا من المسؤولية يقع على الكُتّاب والمفكرين أنفسهم.
الكاتب العربي الذي يُنتج بالعربية الفصحى الأكاديمية المُحمّلة بالمصطلحات الأجنبية المُعرَّبة يُضيّق دائرة قراءه إلى نخبة صغيرة — وهذا قرار له ثمنه.
ليس المطلوب كتابة العامة بالضرورة. المطلوب عربية واضحة فصيحة يفهمها خريج الجامعة دون معاناة مع البنية اللغوية — وهذا ممكن تماما مع الأفكار الجادة.
التوازن الذي يصعب تحقيقه
التوازن بين العمق والوضوح هو من أصعب التحديات في الكتابة. الانحياز لأحدهما على حساب الآخر سهل. الجمع بينهما صعب ونادر.
ومن أفضل ما رأيته في هذا الاتجاه كتّاب يُوظّفون أسلوبا “شفافا”: أي تشعر أنهم لم يُخفوا شيئا وراء الجملة، ولم يستخدموا تعقيد الأسلوب ليُوهم بعمق لا يوجد. ما يقولونه يظهر كما هو، وعمقه من عمق الفكرة نفسها لا من تعقيد التغليف.
خاتمة
المفكر الذي يُعلّم الناس التفكير النقدي ويُوصل إليهم أفكارا تُوسّع آفاقهم أكثر أثرا من المفكر الذي يكتب لعشرة متخصصين. والأثر لا يتحقق إلا بلغة تصل.