من آخر الموضوعات التي ظللت طويلًا أتجنب إعلان موقفي منها موضوع إسرائيل والقدس والمسجد الأقصى. ولم يكن سبب هذا التردد غياب الرأي، بل لأن هذا الملف ظلّ، وما يزال، من أكثر الملفات التي تختلط فيها العقيدة بالتاريخ، والدين بالسياسة، والرمز بالواقع، اختلاطًا يجعل أي محاولة للتفكير الهادئ تبدو لدى كثيرين وكأنها خروج عن الإجماع أو مساس بالمقدسات.

لكنني أرى اليوم أن الصمت في بعض القضايا لا يعود فضيلة، إذا كان يترك المجال لخطابات التبسيط والتعبئة والانفعال، ويمنع إمكان بناء موقف أخلاقي وسياسي أكثر اتزانًا. ولذلك أقدّم هنا موقفي كما أفهمه، في مستويين مختلفين: المستوى الديني المبدئي، ثم المستوى السياسي الواقعي.

أولًا: في القناعة الدينية

1. القدس ذات مكانة دينية مشتركة

أرى أن للقدس مكانة دينية عند المسلمين واليهود معًا، من حيث أصل الصلة الدينية والتاريخية بالمكان. وهذا لا يعني تطابق العقائد أو التطابق في التفاصيل التفسيرية، وإنما يعني أن هذا الموضع ارتبط في الوجدان الديني للطرفين بتاريخ النبوة والوحي والعبادة.

فلفظ بيت المقدس في العربية يحيل إلى معنى الطهر والتنزيه والبركة. والقداسة في أصلها اللغوي والديني تعني التطهير والتنزيه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.

ومن ثمّ، فإن قداسة المكان في المنظور الديني لا تُستمد من الفتح السياسي ولا من السيادة العسكرية، بل من النصّ الديني ومن صلته بتاريخ الوحي والنبوة.

2. القرآن يذكر مواضع ذات صفة قدسية

إذا رجعنا إلى القرآن، وجدنا ذكرًا صريحًا أو ضمنيًا لمواضع ارتبطت بالقداسة والبركة، منها:

  • الوادي المقدس طوى.
  • الطور.
  • الأرض المقدسة التي ورد ذكرها في سورة المائدة.

وقد درج المفسرون والمؤرخون على أن الوادي المقدس طوى والطور في نطاق سيناء، وأن الأرض المقدسة في سورة المائدة يُقصد بها أرض فلسطين. وهذه المواضع الثلاثة مرتبطة في الذاكرة الدينية بسير أنبياء بني إسرائيل، ولا سيما موسى وسليمان عليهما السلام.

ومن الطبيعي، بناءً على ذلك، أن تكون لهذه الأرض مكانة دينية عند اليهود، كما أن المسلمين يرون بركتها من جهة صلتها بالأنبياء الذين يؤمنون بهم. ومن هنا، فإن الأصل الذي أنطلق منه هو أن قداسة القدس ليست حكرًا دينيًا حصريًا لطرف واحد.

3. قداسة بيت المقدس عند المسلمين متصلة بتاريخ النبوة

ترتبط قداسة بيت المقدس في الوعي الإسلامي بكونه موضعًا بناه نبي من أنبياء الله، وهو سليمان عليه السلام، وبكونه موضع عبادة ارتبط بتاريخ الرسالات.

وفي الحديث المشهور أن سليمان عليه السلام، لما فرغ من بناء بيت المقدس، سأل الله خصالًا مخصوصة، منها أن من جاءه لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ومعنى هذا، في الحد الأدنى، أن المكان موضع بركة وعبادة، لا أنه ملكية حصرية لجماعة دينية دون غيرها من المؤمنين بالنبوات.

4. المقصود بالمسجد الأقصى في أصل الدلالة

في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾

أفهم أن الإشارة القرآنية تتصل بذلك الموضع المقدس المرتبط بتاريخ العبادة والنبوة في القدس، لا بالضرورة بالبناء الإسلامي اللاحق وحده بوصفه الشكل التاريخي الوحيد للمسجد.

فالمسلمون لم يكن لهم بناء مسجد قائم هناك في العهد المكي، ولا في صدر الإسلام الأول، وإنما نشأت البنية الإسلامية للمكان في مرحلة لاحقة. أما أصل البركة، فهو متصل بموضع النبوة والعبادة نفسه.

ومن ثمّ، فإن بركة المكان لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها امتيازًا لطائفة واحدة، بل بوصفها دائرة أوسع تشمل المحيط الإنساني والديني للمكان.

5. القبلة والرمزية الدينية لا تتوقفان على الملكية السياسية

عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي، واستمر ذلك إلى ما بعد الهجرة بمدة، كان يتوجه في صلاته إلى بيت المقدس. وهذا يعني أن القبلة، في معناها الديني، لم تكن مشروطة بأن يكون المكان تحت سيطرة المسلمين السياسية أو العسكرية.

ثم تحولت القبلة إلى المسجد الحرام قبل فتح مكة بسنوات، مع أن مكة نفسها لم تكن قد دخلت بعد تحت سلطان المسلمين، وكانت ما تزال محاطة بأوضاع الشرك والصراع. وهذا يؤكد، من حيث المبدأ، أن قداسة المكان ورمزيته الدينية لا تتوقفان بالضرورة على من يسيطر عليه سياسيًا.

6. من الناحية المبدئية: لا قداسة بلا عبادة، ولا احتكار للقداسة

أخلص من ذلك إلى أن المكان يكتسب قدسيته، في الوعي الديني، من كونه موضعًا للعبادة والذكر والسجود، لا من مجرد الغلبة السياسية عليه. ولهذا جاء في الحديث: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، أي إن كل أرض يمكن أن تصير موضع سجود وعبادة، ومن ثمّ موضع طهارة رمزية.

وعليه، فلا أرى من الناحية النظرية البحتة حرجًا دينيًا في أن يكون مكان مقدس عند المسلمين تحت سيطرة غير المسلمين، ما دام النقاش هنا متعلقًا بأصل القداسة لا بعدالة السياسة. وهنا يجب التمييز بوضوح بين السؤالين، لأن الخلط بينهما هو أصل كثير من الاضطراب في هذا الملف.

ثانيًا: في القناعة السياسية والواقعية

1. ما يقع في فلسطين هو استعمار واحتلال

إذا انتقلنا من المستوى الديني إلى المستوى السياسي، فإن موقفي واضح: ما يوجد في فلسطين هو استعمار استيطاني واحتلال عسكري.

وهذه هي النقطة المركزية التي ينبغي ألا يطمسها الجدل الديني أو الرمزي. فجوهر القضية، في تقديري، ليس أن المكان مقدس لهذا الطرف أو ذاك، بل أن هناك شعبًا تعرض لاقتلاع وتهجير وهيمنة عسكرية وسياسية واستيطانية.

ومن ثمّ، فإن الصراع ليس في جوهره حربًا بين المقدسات، بل هو صراع على الحق والملكية والسيادة والكرامة والعدالة. قداسة القدس مشتركة، أما الاحتلال فليس مشتركًا، بل هو اعتداء مادي وسياسي ملموس.

2. الاعتراف بالقداسة المشتركة لا يبرر الاستعمار

من المهم جدًا، في نظري، الفصل بين أمرين:

  • الأول: أن للقدس مكانة دينية مشتركة عند أكثر من جماعة دينية.
  • والثاني: أن هذا الاشتراك في الرمزية لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للاستعمار أو نزع ملكية الناس أو قهرهم.

فليس كل ارتباط ديني بالمكان يبرر السيادة عليه، وإلا لتحولت خرائط العالم كلها إلى حروب لاهوتية بلا نهاية. والسياسة العادلة لا تُبنى على “أحقية روحية” مجرّدة، بل على مبادئ القانون والعدالة وحقوق السكان ورفض الاقتلاع والاستيطان.

3. القدس تحتاج إلى نظام حماية لا إلى منطق الغلبة

إذا كانت القدس ذات رمزية دينية مركبة، فإن ما تحتاجه ليس مزيدًا من التعبئة الدينية الحربية، بل نظامًا عادلًا يحمي السكان والمقدسات معًا. ومن هنا أرى أن من المشروع التفكير في صيغة دولية أو قانونية خاصة تضمن حماية الأماكن المقدسة، وتنظيم الوصول إليها، ومنع الاستفزازات والاعتداءات، وتحييدها قدر الإمكان عن منطق الهيمنة اليومية.

وهذا لا يعني انتزاع الحق من أهله، ولا شرعنة الاستعمار، بل يعني البحث عن صيغة تمنع تحويل المقدس إلى أداة إذلال سياسي متبادل أو إلى ذريعة دائمة للاقتحام والتصعيد.

4. لا يجوز التعميم على اليهود

من المهم أخلاقيًا وسياسيًا التمييز بين الصهيونية بوصفها مشروعًا استعماريًا وبين اليهود بوصفهم جماعة دينية وبشرية متعددة الاتجاهات. فليس كل يهودي صهيونيًا، وليس كل يهودي مؤيدًا للاحتلال أو للتطرف الديني أو لمشاريع التهويد والاقتحام.

بل إن في المجتمع الإسرائيلي نفسه تيارات يسارية وإنسانية ودينية تعارض الاستيطان والتطرف وتدعو إلى التسوية والعدالة. كما أن أجيالًا من الناس وُلدت هناك داخل واقع لم تختره بنفسها. وهذا لا يلغي المسؤولية السياسية للنظام القائم، لكنه يمنعنا من السقوط في التعميم الظالم.

5. الصراع فلسطيني/صهيوني في جوهره

أرى أن الصراع القائم هو، في أصله المباشر، صراع فلسطيني/صهيوني، لا صراعًا دينيًا محضًا بين الإسلام واليهودية، ولا مجرد صراع عربي/إسرائيلي بالمعنى التبسيطي.

صحيح أن للعرب والمسلمين مسؤولية أخلاقية وسياسية في نصرة المظلوم ورفض الاستعمار، لكن طبيعة الصراع الأساسية تتحدد من كونه صراعًا بين شعب واقع تحت الاحتلال وبين مشروع استيطاني إحلالي.

ومن هنا فإن الموقف المبدئي السليم هو: رفض الاعتراف الأخلاقي بالاستعمار، ورفض تطبيع الوعي معه، ومقاطعة بنيته الاستعمارية ما أمكن، لا باعتبار ذلك شأنًا إسلاميًا أو عربيًا فقط، بل باعتباره موقفًا إنسانيًا عامًا ضد كل أشكال الاستعمار والهيمنة.

6. الزمن يعقّد الحلول لكنه لا يبرر الظلم

كلما امتد المشروع الاستيطاني زمنيًا، ازدادت الحلول تعقيدًا. وهذه حقيقة واقعية لا ينبغي إنكارها. فالاستيطان الطويل لا يمحو الجريمة الأصلية، لكنه يصنع وقائع بشرية واجتماعية جديدة تجعل الحل أكثر صعوبة، كما وقع في تجارب استعمارية أخرى عبر العالم.

ومع ذلك، فإن تعقد الحل لا يساوي شرعية الواقع. فالاستعمار لا يصبح عادلًا لمجرد أنه طال زمنه، والحقوق لا تسقط لمجرد أن استعادتها صارت أصعب. وإنما يفرض طول الصراع البحث عن حلول مركبة وعادلة وواقعية، تحفظ حقوق الفلسطينيين أولًا، وتمنع استمرار منطق الاقتلاع والإلغاء، وتفتح أفقًا لتعايش غير مبني على السلاح وحده.

خاتمة

خلاصة موقفي أن القدس مكان مقدس دينيًا لأكثر من جماعة، لكن هذا لا يغير من حقيقة أن فلسطين تعيش تحت استعمار استيطاني يجب رفضه. ولهذا لا يجوز توظيف القداسة الدينية لتبرير الاحتلال، كما لا يجوز إنكار البعد الديني المركب للمدينة من أجل تبسيط القضية سياسيًا.

التمييز بين قداسة المكان وعدالة السياسة هو، في تقديري، المفتاح الأهم لفهم هذه القضية. فالقداسة قد تكون مشتركة، أما الظلم فلا يمكن أن يكون مشتركًا. وإذا كان من حق المؤمنين جميعًا أن يروا في القدس رمزًا دينيًا عزيزًا، فإن من حق الفلسطينيين، قبل كل شيء، أن يعيشوا أحرارًا على أرضهم بعيدًا عن الاحتلال والاستيطان والإذلال.