من أكثر ما يُميّز الخطاب الجهادي المتطرف يقينُه الحتمي بمسار التاريخ. مراحل، وخطوات، وانتصار حتمي — كأن سنّة الله في التاريخ نص قابل للقراءة والتنبؤ. وهذا اليقين الحتمي هو ما يُعطي الانتحاري والمقاتل إحساسا بأنه يُؤدي دورا موضوعيا لا مفر منه.
لكن لهذا اليقين أساس منهجي ضعيف — وبعض أقوى الردود عليه لا يأتي من الفقه ولا من الكلام، بل من العلوم التجريبية.
سيمون كونواي موريس والتعقيد اللابديهي للحياة
عالم الأحياء الحفرية في جامعة كامبريدج سيمون كونواي موريس — عضو الجمعية الملكية — توصّل في أبحاثه إلى نتيجة مُذهلة: احتمال نشأة الحياة بصيغتها الكيميائية والبيولوجية المعقدة عبر الصدفة المحضة هو احتمال يقترب من الصفر بصورة مثيرة.
قال في أحد أبحاثه ما معناه: إن عدد “المسالك العمياء” والعقبات أمام الصدفة في نشأة الحياة ضخم لدرجة أن كل الزمن منذ بداية الكون حتى الآن لن يكون كافيا للوصول إلى جزء واحد من تريليون تريليون من الحلول الممكنة.
بمعنى آخر: نشأة الحياة نفسها تتجاوز قدرة الحساب الاحتمالي. وهي من ثم تستلزم تفسيرا يتجاوز الصدفة العمياء.
ماذا يعني هذا فلسفيا؟
إذا كانت الحياة — في أبسط صورها البيولوجية — أعقد مما يمكن تفسيره بالصدفة، فكيف بالتاريخ الإنساني بكل تعقيده؟
الخطاب الجهادي الحتمي يعتمد على قراءة خطية للتاريخ: كل “مرحلة” تُفضي حتما إلى التالية، وكل حدث يُدفعه “قانون التاريخ” الإلهي. لكن إذا كانت الحياة نفسها لا تعمل بهذا المنطق الخطي الحتمي البسيط، فالتاريخ بالتأكيد أعقد من ذلك.
الأنظمة المعقدة — سواء كانت بيولوجية أو اجتماعية أو تاريخية — تتسم بالمفاجأة والانبثاق وعدم الخطية. الخسارة المتوقعة تتحول إلى انتصار، والانتصار المؤكد ينهار. والتاريخ ملئ بالحوادث التي بدّلت مساره في لحظات لم تكن في حساب أي “مرحلة”.
التواضع المعرفي كفريضة دينية
القرآن نفسه يُؤسّس لما يمكن تسميته “التواضع المعرفي أمام الغيب.” وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت (لقمان: 34). وفي الحديث: “يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة.”
هذا التواضع أمام الغيب والحرص من اليقين في أمور الغيب هو الموقف الديني الصحيح — لا الثقة الحتمية بمراحل التاريخ التي لم يُخبر الله بها أحدا.
ضرورة الأثر العملي
الخطاب الحتمي الجهادي لا يُخاطب فقط العقيدة — يُخاطب الشعور بالفاعلية. من يُؤمن أنه يُسرّع عجلة التاريخ نحو غاية محتومة يشعر بمعنى ودور.
الرد الفعّال عليه لا يكتفي بنقض اليقين الحتمي، بل يُقدّم إطارا بديلا للعمل: العمل الصالح المُتقَن قيّم في ذاته بصرف النظر عن نتائجه المرئية — وهذا ما قرّره القرآن في مواضع كثيرة. الإنسان مسؤول عن بذل الجهد لا عن ضمان النتيجة.
خاتمة
العلم التجريبي في أحسن تجلياته يُعلّمنا التواضع أمام تعقيد الأنظمة الكونية. وهذا التواضع ليس ضعفا بل نضجا معرفيا. والإسلام الحقيقي — الذي يُقرّر أن علم الغيب حكر على الله — يُشارك هذا التواضع ويُعمّقه. اليقين بمراحل التاريخ ليس قوة الإيمان — هو غرور الجهل ملبوسا ثوب الدين.