حين نتأمل ما يجري في تونس اليوم، نكتشف أن المشكلة ليست فقط في الأحداث نفسها، ولا في موازين القوى السياسية، بل في شيء أعمق: كيف نُحَوِّل ما جرى إلى ذاكرة، وكيف تُستَخدم هذه الذاكرة في الصراع؟

فالتاريخ، في أصله، محاولة لتجميع ما وقع ووضعه في سياق عقلاني، بينما الذاكرة – فردية كانت أو جماعية – انتقائية بطبيعتها، تختار ما تتذكّر وما تتجاوز عنه، وفق ما يخدم صورة الذات، أو مشروع الجماعة، أو خوفها وأطماعها.

الفرد لا يستطيع أن يعيش بكل جراحه، فينسى لِيُواصِل الحياة. والمجتمعات كذلك تحتاج إلى قدر من النسيان، أو على الأقل إلى تهدئة تدريجية لذاكرتها الجريحة، حتى تتمكّن من بناء مستقبل مشترك.

هنا بالضبط يقع الخلل في التجربة التونسية: ليس فقط في أخطاء الإسلاميين أو خصومهم، بل في تعمُّد بعض الأطراف تعطيل هذا “النسيان الطبيعي”، والعمل على تحويل الذاكرة الجماعية إلى خزّان أحقاد دائم.

أولا: الذاكرة ليست هي التاريخ

التاريخ، نظريًا على الأقل، أرشيف مفتوح يسعى إلى تسجيل الوقائع بأكبر قدر ممكن من التجرد، مع إبقاء إمكانية المراجعة والنقد قائمة دائمًا. أما الذاكرة فهي عملية انتقاء: لا يحتفظ الإنسان ولا الجماعة بكل شيء، بل بما يعطي معنى لهويّتهما الحالية. لذلك قد يتعايش في التاريخ حدثان متناقضان، بينما تختار الذاكرة واحدًا منهما فقط لتبني عليه سرديتها الخاصة.

حين تتصرّف المجتمعات بعقلانية، فإنها تحاول أن تجعل من الذاكرة رصيدًا لاستخلاص الدروس واستئناف العيش معًا. لكنها حين تُدار بمنطق الصراع الصفري، تتحوّل الذاكرة إلى سلاح، وإلى ورقة ضغط، وإلى أداة لإعادة إنتاج الماضي في الحاضر بصورة مشحونة وبلا نهاية.

ثانيا: حين تتحول الذاكرة إلى سلاح سياسي

في المشهد التونسي، اشتغلت أطراف متعدّدة في الصراع مع الإسلاميين على منهج واضح المعالم: ليس فقط نقد تجربة سياسية بعينها، بل تحويل كل خطأ، وكل أزمة، وكل انحراف حقيقي أو متخيَّل إلى “ذكرى مؤبَّدة” في الوعي العام. لم يعد الهدف الوقوف عند حدود التوثيق أو المحاسبة، بل تثبيت صورة ثابتة لخصم سياسي معيّن، وربطه باستمرار بكل ما هو سلبي وخطير وفاشل.

الإعلام والخطاب السياسي، في جزء كبير منه، تحوّلا إلى آلة لإعادة تدوير نفس القصص والصور والمشاهد: كل أزمة جديدة تُربَط بنفس العدو القديم، وكل خوف اجتماعي يُعاد توجيهه نحو نفس العنوان.

وبدل أن يُسمح للمجتمع بأن يمرّ بمسار طبيعي من التهدئة والنسيان النسبي، يُعاد ضخّ نفس المشاهد ونفس الاتهامات، حتى تصبح الذاكرة الجماعية مخزن ركام عاطفي أكثر منها مخزن وعي تاريخي.

ثالثا: من خلاف سياسي إلى كراهية مزمنة

المنطق الداخلي لهذا المنهج يمكن تلخيصه في ثلاث خطوات مترابطة.

تثبيت صورة “العدو”

لا يتم التعامل مع الإسلاميين – أو أي طرف آخر – بوصفهم منافسًا سياسيًا يمكن أن يصيب ويخطئ، بل بوصفهم خطرًا وجوديًا على الدولة والمجتمع. كل حدث سلبي يُنسَب إليهم مباشرة، وكل تعقيد في الواقع يُفسَّر بكونه نتيجة “مجرد وجودهم” في الحياة السياسية.

تحويل الخطأ إلى هوية

بدل أن نقول “هذا الحزب أو هذا الفاعل أخطأ هنا أو أخفق هناك”، يُقدَّم الأمر ضمنيًا على أنه “هؤلاء بطبيعتهم خطأ، وهويتهم نفسها مشكلة”. هكذا ننتقل من نقد التجربة إلى نفي شرعية الوجود نفسه.

صناعة ذاكرة أحقاد لا تُمحى

الأجيال الجديدة التي تدخل الفضاء العام تُستقبَل بملف جاهز من الروايات والاتهامات والصور السلبية، فلا يُسمح لها أن تبني رأيها على الواقع الذي تعيشه، بل على ذاكرة مشحونة سبقتْها. بهذا المعنى، لا تُستَخدم الذاكرة هنا لفهم ما وقع وتجنّب تكراره، بل لتبرير استمرار الكراهية وتعطيل أي إمكانية لمصالحة أو مراجعة متبادلة.

رابعا: كيف ساهم هذا المنهج في تدمير المشهد التونسي؟

من أخطر ما دمّر المشهد السياسي التونسي أن بعض الأطراف في الصراع مع الإسلاميين لم تكتفِ بالمحاسبة السياسية أو القانونية عند الاقتضاء، بل عملت على منع “تحوّل الصفحة” على مستوى الوعي العام.

تمّ تثبيت البلاد في لحظة تاريخية معيّنة، كأن تونس لا تخرج أبدًا من سنة معيّنة، ولا من حدث معيّن، ولا من خوف معيّن. كل محاولة للانتقال إلى أسئلة جديدة – الاقتصاد، العدالة الاجتماعية، التنمية، السيادة، النموذج التنموي – يُعاد سحبها إلى نفس الملف القديم: قبل أن نناقش هذا، يجب أن نصفي الحساب نهائيًا مع أولئك.

بهذا الأسلوب، تحوّل جزء من الإعلام والسياسة إلى ماكينة مستمرة لإعادة إنتاج نفس السردية، مع تغيير طفيف في الشعارات والأسماء فقط، بينما تظل البنية نفسها: بنية استثمار دائم في الخوف والكراهية.

النتيجة أن البلاد بقيت عالقة في منطق “التحذير من العدو الداخلي”، بدل أن تنتقل إلى منطق التنافس في خدمة المصلحة العامة.

خامسا: الخطر المنطقي على الدولة والمجتمع

من الناحية المنطقية البحتة، الدولة تحتاج إلى التعايش السياسي حتى تستمر. والتعايش يفترض حدًا أدنى من الاعتراف المتبادل بين الفاعلين، ومن ذاكرة مشتركة تقول: اختلفنا، أخطأنا، لكننا نتقاسم نفس الوطن ونحتاج إلى صيغة عيش مشترك.

حين تُستَعمل الذاكرة لتكريس صورة “الخصم الذي لا يُسامَح ولا يُؤمَن جانبه”، ينهار هذا الاعتراف، ويصبح كل توافق خيانة، وكل تسوية استسلامًا، وكل تداول سلمي على السلطة نوعًا من التهديد للهوية أو للسلامة الوطنية. وبهذا لا يبقى في الساحة إلا خياران: إقصاء دائم أو صراع دائم، وكلاهما يقتل السياسة ويحُوِّل الدولة إلى حالة طوارئ مفتوحة، بدل أن تكون إطارًا للتنافس السلمي وإدارة الاختلاف.

سادسا: نحو ذاكرة علاجية لا انتقامية

المطلوب ليس أن ندفن التاريخ أو نُبيّض صفحات أحد، ولا أن نرفع شعار “العفو بلا عدالة”، ولكن المطلوب هو التفريق الواضح بين مساحة التاريخ ومساحة الذاكرة.

في مساحة التاريخ، ندرس الوقائع، نحقّق فيها، نحمّل المسؤوليات، ونقبل بالمحاسبة حيث يجب. في مساحة الذاكرة، نعيد تنظيم سرديتنا الجماعية بطريقة لا تجعل من الماضي وقودًا لحرب أهلية باردة، بل مصدرًا لدروس مشتركة تسمح ببناء عقد اجتماعي جديد.

هذا يعني عمليًا رفض احتكار أي طرف لتمثيل “ذاكرة الوطن”، ورفض استخدام الجراح القديمة كأدوات لإلغاء خصوم الحاضر. يمكن أن نعترف بأن أخطاء جسيمة حدثت من الجميع، وأن ضحايا حقيقيين دفعوا الثمن، ومع ذلك نقول بوضوح: لا يحقّ لأحد أن يجمّد المجتمع في زمن واحد، أو أن يصنع من الذاكرة آلة دائمة لتمزيق المستقبل باسم حماية الماضي.

إدمان إعادة تشغيل صراعات الأمس في ذاكرة اليوم هو في جوهره تعطيل لقدرة المجتمع على إنتاج غدٍ مختلف.

المعركة في تونس ليست فقط حول من يحكم الآن، بل حول أيُّ ذاكرة نريد أن نَحمِل معنا إلى المستقبل: ذاكرة دروس تتّسع للجميع، أم ذاكرة أحقاد تُغلق كل أبواب العيش المشترك