فقدت أبي قبل سنوات. وفقدت أمي بعده بمدة. والفقدانان كانا مختلفين كل الاختلاف في طبيعتهما وفي ما تركاه في الروح.

حين فقدت أبي، لم أبكِ أثناء مراسم الدفن. لم يكن ذلك قساوة ولا غيابا للعاطفة — بل كان شيئا يُشبه الطمأنينة. فقد كنت أعرف من أبي ما لا يعرفه كثيرون: صدقاته الخفية التي كان يُخفيها حتى عن أقرب المقربين، وإحسانه اليومي الصامت، وتقواه التي لم تكن أداء للناس. كان الرجل الذي يعمل في الخفاء ما كان يتكلم عنه في العلن.

فكان حزني عليه ممزوجا بشيء من اليقين بالرحمة الإلهية — يقين مبني على ما رأيت لا على مجرد التمني.

أما أمي، فكان الأمر مختلفا.

الدمعة التي استمرت سنة

لم أستطع أن أكون بجانب أمي في لحظات وفاتها. ظروف قاهرة حالت دون ذلك. وهذا الغياب الاضطراري كان — ولا يزال — مصدر ألم لا يُوصف بسهولة.

وقد بكيت أمي. لكن بعيدا وصامتا. بكيتها في صمتي وحدي على مدى سنة كاملة. ليس بكاء الضعف بل بكاء من فقد شيئا لا يُعوَّض.

وحين أفكر لماذا كان الفقدانان مختلفين هكذا، أجد الجواب في جملة واحدة كانت أمي تقولها.

الجملة السحرية

أمي — رحمها الله — كانت امرأة بسيطة أمية بالمعنى الأكاديمي. لم تدخل الجامعة ولم تقرأ الفلسفة ولا علم النفس. لكنها كانت تملك شيئا يفوق كل ذلك: قدرة استثنائية على الإنصات والحضور الحقيقي.

وفي أوقات الصعاب والمحن والغربة — حين تتراكم الأعباء وتتعقد المسائل وأشعر بثقل لا أُفصح عنه — كانت جملة واحدة منها تكفي:

ما تخافش، انا وبوك راضيين عليك.

خمس كلمات بالعربية التونسية الدارجة. لا بلاغة فيها ولا تعقيد. لكن أثرها في نفسي كان — ولا يزال حين أتذكرها — ما لم يُنتجه كل ما تعلّمته وأنا المثقف صاحب الشهادات العليا والمعرفة الدينية والقراءات الواسعة.

ما الذي كانت تصنعه تلك الجملة؟

علم النفس الحديث يتحدث عن “النظام التعلقي” — حاجة الإنسان إلى أن يعرف أن ثمة من يُحبه ويقبله كما هو. والطفل الذي لا يجد هذا الأمان في طفولته يُعاني منه طوال حياته.

أمي كانت تُقدّم بجملتها شيئا يُخاطب هذا الجوهر: رضا الوالدين — وهو في التراث الإسلامي أحد أعظم مصادر السكينة الداخلية — مُقدَّما بصدق لا بصيغة طقسية جاهزة.

لم تكن تقول لي إن المشاكل ستُحل. ولم تكن تُعطيني حلولا. كانت تقول لي: أنا معك. نحن راضون عنك. وهذا كافٍ.

ما لا تُعطيه الشهادات العليا

أنا لا أزعم أن العلم بلا قيمة — فأنا ممن آمن بقيمة المعرفة إيمانا عميقا. لكنني أزعم أن ثمة أنواعا من الحكمة لا تُدرَّس في الجامعات.

الحكمة الوجدانية — القدرة على قراءة ما يحتاجه الآخر حقا في لحظة بعينها والإجابة عنه بالكلمة الصحيحة — هذه ليست مهارة أكاديمية. هي نوع من الذكاء يتطور بالمعاشرة والتأمل والحب.

وأمي التي لم تقرأ علم نفس التعلق ولا نظريات الدعم الاجتماعي كانت تُطبّق ما يصفه هذا العلم بكفاءة لم أرها عند كثير من المتعلمين.

دعاء وخاتمة

رحم الله أمي التي كانت تعرف بلا دراسة ما يحتاجه ابنها. وكانت تُعطيه بلا حساب.

ما تخافش، انا وبوك راضيين عليك.” — جملة بسيطة تحمل من الحكمة والعلاج والدفء ما يعجز عنه كثير مما تعلّمته. ولا أزال أحمل أثرها كلما اشتد الطريق.

وما علّمتني إياه — أكثر من أي كتاب — هو أن الحضور الحقيقي مع الآخر في لحظته الصعبة هو أعظم هبة يمكن أن تُقدّمها لإنسان. وأن الكلمة الصادقة البسيطة تصل إلى أعماق النفس حيث لا تصل المصطلحات.