أمة بين الأمم لا فوقها: ماذا يعني التصديق في القرآن؟

من أخطر الأفكار التي تسربت إلى الوعي الإسلامي فكرة أن الإسلام جاء ليؤسس أمة فوق الأمم لا أمة بينها، ورسولا فوق الرسل لا رسولا في سلسلتهم، وكتابا يقطع مع كل ما قبله لا كتابا يصدّق ويصحح ويستأنف. وهذه الفكرة، على شيوعها في بعض الخطابات الدينية الشعبية، تصطدم بواحد من أهم المصطلحات القرآنية المؤسسة لهوية الرسالة في التاريخ الوحياني: مفهوم التصديق.

فالقرآن يكرر في مواضع عديدة أنه مصدّق لما بين يديه من الكتب السابقة. يقول: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ (المائدة)، ويقول: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (الأنعام)، كما يَرِد هذا المعنى في الخطاب القرآني الموجّه إلى أهل الكتاب في قوله: مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم (البقرة). هذا التكرار ليس زينة أسلوبية، بل توصيف جوهري لهوية القرآن داخل التاريخ الديني للبشرية. وإذا أُخذ بجدية تفسيرية، فإنه يغيّر كثيرا من الصور المتضخمة التي بنيناها عن أنفسنا وعن علاقتنا بالآخرين الدينيين.

التصديق لا يعني الذوبان ولا الإلغاء

حين أقول إن القرآن جاء مصدقا، فإني لا أعني بذلك أنه مجرد تكرار لما قبله أو إعادة نشر له، ولا أنه فقد خصوصيته العقدية والرسالية. لكني أعني شيئا دقيقا ومختلفا: أن القرآن لم يقدّم نفسه قط بوصفه قطيعة متعالية تنسف كل ما سبقها وتحتكر الحقيقة بطريقة استئصالية تجعل كل التاريخ الديني السابق باطلا في جوهره. بل قدّم نفسه كاستمرار يصحح ما اعتراه من تحريف وانحراف، ويشهد على الأصل الوحياني الذي يجمعه بالكتب السابقة، من غير أن ينكر أن هذا الأصل موجود وحقيقي.

وهذا الفارق بالغ الأهمية لأن كثيرا من الخطابات الإسلامية اللاحقة تصرفت كما لو أن الإسلام يبدأ من الصفر المطلق، وأن ما قبله لا يحضر إلا بوصفه خطأ كاملا أو انحرافا شاملا يجب أن تُلغى فيه كل قيمة. بينما لغة التصديق تمنع هذا التكبر الروحي بشكل صريح، وتعيد إدخال الإسلام في سلسلة الهداية الإلهية للبشرية، لا فوقها ولا خارجها.

والتصديق أيضا لا يدفعني إلى فهم النسخ بوصفه إلغاءً كاملا لكل ما سبقه. وأنا أميل هنا إلى أن هذا الفهم الإلغائي لا ينسجم مع مركزية التصديق في الخطاب القرآني، وأن كثيرا من التوسّع فيه نتج عن قراءات كلامية متأخرة أكثر مما نتج عن منطوق النص نفسه. لذلك فالأدق، في نظري، أن يُفهم القرآن باعتباره كتابا يهيمن ويصحح ويكمّل، لا كتابا يمحو التاريخ الوحياني كله دفعة واحدة.

من أمة فوق الأمم إلى أمة بينها

إذا كان القرآن مصدقا لما قبله، فإن معنى ذلك أن الأمة المسلمة ليست أمة منفصلة عن التاريخ الإيماني للبشرية، ولا أمة مختارة بالمعنى العنصري أو الميتافيزيقي المغلق. إنها أمة داخل الأمم، لها دورها التاريخي وشهادتها ورسالتها، لكن من غير أن تتحول إلى نسخة إسلامية من عقدة “الشعب المختار” التي تتحول إلى احتكار للحق وإقصاء للآخر.

وهذا الفرق حاسم في الممارسة اليومية للخطاب الديني. فجزء من أزمة الخطاب الإسلامي الحديث أنه تشرب نزعة فوقية في النظر إلى الآخر الديني، حتى صرنا نتكلم أحيانا كما لو أننا نهاية التاريخ الديني، وكأن وظيفة الآخرين هي مجرد الاعتراف بهذا التفوق. أما القرآن بلغة التصديق فيقترح وعيا أكثر تواضعا: نحن جزء من مسيرة وحيانية أطول منا وأوسع، ودورنا فيها هو الشهادة والأمانة لا الاحتكار والهيمنة.

الأثر الحضاري والعملي لإحياء مفهوم التصديق

إذا أُعيد إحياء مفهوم التصديق في وعينا الديني وفي خطابنا الثقافي، فسيغيّر كثيرا من علاقتنا بالأديان الأخرى وبفكرة التعدد الديني عامة. ليس لأنه يذيب الفروق العقدية الحقيقية الموجودة بين الأديان أو يجعل كل الأديان سواء، بل لأنه يمنعنا من بناء الهوية الإسلامية على نفي الآخرين نفيا كليا وعلى إنكار كل قيمة فيما يحملونه. يمكن للإسلام أن يحتفظ بخصوصيته العقدية الكاملة واليقين بصحة رسالته، وأن يبقى في الوقت نفسه واعيا بأنه يتحرك داخل عائلة وحي إلهي أوسع لها تاريخ ممتد.

هذا الوعي وحده يكفي لتفكيك كثير من النزعات الفوقية التي غذتها بعض التأويلات الكلامية والحديثية المتأخرة التي قدّمت الإسلام في صورة إمبراطورية روحية لا تعترف بأي مشروعية خارج حدودها. ويكفي أيضا لفتح باب آخر في الحوار الديني: حوار لا يقوم على المجاملة السطحية ولا على إخفاء الخلافات الحقيقية، بل على مفهوم قرآني أصيل يُتيح للمسلم أن يختلف مع اليهودي والمسيحي في العقيدة وأن يعترف في الوقت نفسه بأن الله أرسل إليهم أنبياء وأنزل عليهم كتبا وأن ما جاء به الإسلام هو استمرار لا قطيعة.

وللأمر تبعات تربوية أيضا. فالتعليم الديني الذي ينطلق من التصديق سيُعلّم الأجيال القرآن كحلقة في سلسلة الوحي لا كبداية مطلقة تلغي كل ما سبق. وسيُعلّمهم إبراهيم وموسى وعيسى بوصفهم أنبياء الله الذين يعظمهم القرآن ويُقدّرهم، لا مجرد شخصيات تاريخية يجب تصنيفها بالخطأ أو الصحة بحسب توافقها مع الفقه الإسلامي اللاحق.

خاتمة

التصديق ليس مصطلحا ثانويا أو عابرا في القرآن، بل أحد المفاتيح الجوهرية التي تمنع الإسلام من الانغلاق على صورة إمبراطورية روحية متعالية مقطوعة عن جذورها الوحيانية. إنه يعيد وضع الأمة في مكانها الصحيح: أمة شاهدة بين الأمم، لها رسالتها المحددة، لا أمة فوقها تحتكر الحق وتُلغي الآخرين. ويعيد وضع النبي في مكانه الصحيح: نبي في سلسلة الأنبياء يُصدّق من قبله ويُتمّم رسالتهم، لا خارج هذه السلسلة ومتعالٍ عليها. ويعيد وضع القرآن في مكانه الصحيح: كتاب يكمّل ويصحح ويشهد ويُتمم، لا كتاب يلغي التاريخ الديني كله بقرار واحد ويُعيد العالم إلى الصفر.

وحين نفهم هذا، نصبح أقدر على بناء إسلام أكثر تواضعا وأكثر ثقة في الوقت نفسه. لأن الثقة الحقيقية لا تحتاج إلى أسطورة التفوق المطلق لكي تستقر. يكفيها أن تعرف مكانها الصحيح في التاريخ الوحياني: مكانا مميزا وأمينا وشاهدا، لا مكانا يقوم على إلغاء كل من سبق.