كنت أتحدث مع أصدقاء كنديين يُقيمون في أوتاوا حول موضوع السعادة الإنسانية وما يصنعها. وانتهى بنا الحديث إلى أن واحدا من أقوى عناصر السعادة الإنسانية الذي يتآكل في المجتمعات الحديثة هو الجوار — ذلك الرابط الإنساني الصغير الذي يربطك بمن يُشاركونك نفس الشارع والحيّ.
حين قالت ذلك باحثة كندية كانت تستند إلى دراسات اجتماعية حديثة، وجدت نفسي أُغادر الحاضر وأرجع إلى طفولتي في صفاقس في ثمانينيات القرن الماضي — حين كان الجوار يعني شيئا حقيقيا ملموسا لا مجرد مفهوم في ورقة بحثية.
المرض والجارات
في الثامنة أو التاسعة من عمري أُصبت بالحصبة. بقيت طريح الفراش لأيام، وكنت في تلك الأيام أشعر بما يشعر به الأطفال المرضى — شيء من الضعف الحلو الذي يجعل اللحظة ثقيلة ومُدلَّلة في آن.
ما بقي في ذاكرتي من تلك الأيام ليس الحمى ولا الألم — بل حسناء ومينة ونفيسة ورفيقة.
أربع جارات أتين تباعا يُزرن ويُواسين ويقترحن. كل واحدة تحمل شيئا: حكاية أو طعاما أو دواء من علاج المنزل. التبخير بشعر الماعز لعلاج الحصبة — علاج شعبي ربما لا أثر طبيا مثبتا له لكنه كان يحمل اهتماما بشريا حقيقيا. والكبدة المشوية والطيحال المشوي كوصفة للنقاهة. وبعض الحلوى “تأكلها بعد ما تتعافى” — كأن المرض يستحق مكافأة في آخره.
لم تكن هذه الجارات قريباتي. لم تكن ملزمات بشيء. لكنهن جئن.
ما يُمثّله ذلك الجوار
حين أتأمل تلك الذاكرة اليوم، أرى فيها شيئا يفوق الحنين الشخصي. أرى نموذجا من رأس المال الاجتماعي في أبهى صوره: شبكة من العلاقات غير الرسمية التي تُؤدي وظائف حياتية حقيقية دون عقود ودون مؤسسات.
الجارة التي تُلاحظ أن طفلا مريض وتأتي لتُساعد تفعل ما لا تستطيع الدولة ولا مؤسساتها أن تفعله بنفس الدفء والتوقيت. هي لا تملك شهادة في التمريض ولا قاعدة بيانات، لكنها تملك ما يفوق ذلك: عين تُلاحظ وقلب يهتم.
وهذا النوع من رأس المال الاجتماعي لا يُبنى بمشاريع حكومية ولا بتطبيقات ذكية. يُبنى بالمقاربة اليومية والاهتمام الحقيقي والحضور في حياة بعضنا البعض.
ما تفعله الحداثة بالجوار
المجتمعات الحديثة — في الغرب وفي المدن العربية الكبرى معا — شهدت تآكلا واضحا في الجوار التقليدي. الشقق المغلقة حيث لا يعرف الجار اسم جاره. الجداول المكتظة التي لا تُتيح الوقت للحضور في حياة الآخرين. والأجهزة الإلكترونية التي تُوفر شيئا من الإحساس بالتواصل دون دفء الحضور الجسدي.
وما تكشفه الدراسات الحديثة في علم الاجتماع وعلم النفس هو أن هذا التآكل له ثمن باهظ: وحدة متصاعدة، وضعف في قدرة التحمّل أمام الأزمات، وفقدان الشبكات الأمان غير الرسمية التي كانت تُسند الناس في الصعاب.
المفارقة هي أن المجتمعات الغنية ماديا باتت تدرس الآن بجدية كيف “تستعيد” ما كانت المجتمعات الأقل ثراء تعيشه بطبيعتها.
الخسارة الصامتة في الهجرة
حين هاجرت وجدت نفسي في مجتمع يُقدّر الخصوصية تقديرا عاليا. الجار لا يطرق بابك إلا باتفاق مسبق. ولا تعرف ما يجري في حياته إلا إذا أخبرك. وهذا له قيمته الحضارية في احترام الحدود الشخصية.
لكنه يعني أيضا أن المريض وحيد، وأن الحزين وحيد، وأن الطفل يمرض دون أن يُلاحظ أحد من الجيران إلا حين تطرق الأسرة على باب المستشفى.
ليس هذا انتقادا للغرب ولا تمجيدا للتقليد. هو تأمل في التوازن الذي تفقده أي حضارة حين تُقدّم الاستقلالية على حساب الترابط.
دعاء للراحلات وتمنٍّ للحيّات
حسناء ومينة ونفيسة ورفيقة — جاراتي اللواتي أتين يوم مرضت بالحصبة.
لا أعرف الآن أين هن. بعضهن ربما رحلت. وأتمنى لمن لا تزال حية أن تكون في صحة وعافية. ولمن رحلت — رحمة الله عليها.
خاتمة
الذاكرة الحقيقية لا تحفظ الأرقام والإحصاءات. تحفظ الوجوه والأسماء والأفعال الصغيرة. وحسناء التي أتت بدواء المنزل، ورفيقة التي جاءت بالحلوى على وعد النقاهة — هؤلاء بنين في داخلي شيئا يفوق ما تفهمه الدراسات الاجتماعية: يقينا بأن الإنسان حين يهتم بإنسان آخر يفعل الشيء الأجمل الذي يمكن أن يفعله على وجه الأرض.