في مطلع 2012، أشعل موضوع النقاب في جامعة منّوبة التونسية جدلا واسعا. مديرون وأساتذة وعمداء يُصدرون قرارات متضاربة. أحزاب تتبادل الاتهامات. الإعلام يُضخّم. والقضية بقيت حبيسة الصراع الإيديولوجي دون أن تجد حلا مؤسسيا.

وكنت أتابع ذلك من أوتاوا وأتساءل: لماذا لا تُستفاد من تجربة كيبيك التي واجهت نفس الأسئلة وابتكرت لها آليات ديمقراطية ناضجة؟

ما حدث في كيبيك

قبل نحو ثلاث أو أربع سنوات من ذلك، اشتعل في كيبيك جدال مماثل: هل يحق للموظفة المسلمة المحجبة أن تُبقي على حجابها في وظيفتها العمومية؟ هل يُوفَّر للموظفين المسلمين مكان للصلاة؟ وهل يحق للمواطنين إبراز رموزهم الدينية في مؤسسات الدولة؟

بدل أن يتركوا القرار للمسؤولين الفرديين أو يُحوّلوه إلى معركة حزبية، اختار رئيس الحكومة الكيبيكي آنذاك حلا مختلفا: تشكيل لجنة وطنية مستقلة.

رأس اللجنة شخصان يُمثّلان طرفين فكريين: الفيلسوف شارل تايلور (مُنظّر التعددية الثقافية وعلماني من سحر) والمؤرخ وعالم الاجتماع جيرار بوشار (متدين كاثوليكي). كان الاختيار رسالة: القضية لا تُحل بطرف واحد.

منهج اللجنة

اتبعت اللجنة نهجا حواريا واسعا: جلسات استماع في مختلف مناطق كيبيك، استقبال مئات المداخلات من مواطنين وجمعيات ومختصين، وفتح النقاش أمام وجهات نظر متنوعة بما فيها المتشددة جدا في الاتجاهين.

ثم أصدرت توصياتها بعد أشهر من العمل. الخلاصة الجوهرية: الحرية الدينية الفردية حق يجب حمايته، والتكيفات المعقولة (accommodements raisonnables) مع المتطلبات الدينية واجبة على أصحاب العمل والمؤسسات العمومية ما لم تُسبّب ضررا غير متناسب.

الدرس المؤسسي

ما يُعلّمه النموذج الكيبيكي ليس مضمون الجواب بل طريقة الوصول إليه:

أولا: المسألة تحتاج لجنة استماع لا قرار مسؤول منفرد.** حين يُقرر عميد جامعة أو مدير مؤسسة منفردا في مسألة حقوق دينية، يضع نفسه في موقع المحكمة دون صلاحياتها وضماناتها. هذا ليس دوره.

ثانيا: الجواب يجب أن يخضع لرقابة مؤسسية.** في كيبيك أُحيلت توصيات اللجنة للبرلمان. في تونس، قرارات عمداء الجامعات كانت تُصدَر وتُلغى دون إطار قانوني واضح.

ثالثا: التوازن بين المرجعيتين ضروري.** حضور شارل تايلور وبوشار في نفس اللجنة كان رسالة أن القضية تحتمل قراءتين جديرتين بالاستماع لهما.

ما تعلّمه تونس وما يبقى مطلوبا

الدستور التونسي لعام 2014 ضمن الحريات الدينية وأرسى مبادئ دولة القانون. لكن الترجمة الإجرائية لهذه المبادئ تظل ناقصة: ما الآليات التي تُتيح الفصل في النزاعات المتعلقة بالحريات الدينية في الفضاء العام دون أن يتحول كل قرار إلى معركة سياسية؟

قضية النقاب في منوبة — وما تلاها من قضايا مماثلة — أظهرت الحاجة الماسة إلى محكمة دستورية فاعلة وإجراءات واضحة للتعامل مع الحقوق المتعارضة ظاهريا. هذا ليس ترفا مؤسسيا بل شرط ضروري لديمقراطية ناضجة.

ملاحظة على مسار كيبيك نفسه

لا بد من الإشارة إلى أن كيبيك لم تبقَ على ما أرسته لجنة بوشار-تايلور. ففي عام 2019 صدر “القانون 21” الذي يحظر إبراز الرموز الدينية على موظفي الدولة خلال أوقات العمل. وهذا يعني أن النقاش لم ينتهِ بجواب نهائي — وهذا طبيعي في الديمقراطيات الحية: الجواب يتطور مع تطور المجتمع.

ما يبقى هو القيمة المنهجية: استُخدمت آليات مؤسسية للاستماع والتداول قبل إصدار أي قرار. هذا النهج قابل للتكيف في كل سياق.

خاتمة

حين تُواجه مجتمعات متنوعة أسئلة صعبة حول الحرية الدينية والفضاء العام، الخطأ ليس طرح السؤال — الخطأ هو حسمه بقرار فردي عاجل. التجربة الكيبيكية تُقدّم نموذجا للتداول المؤسسي الذي يمنح الجواب شرعية لا يمنحها القرار الفردي أيا كان توجهه.