في كل موسم ديني، يخرج علينا من يزعم الغيرة على العقيدة، فيشنّع على من يختلف عنه في المذهب، أو الطريقة، أو حتى في أسلوب التدين… وغالبا ما تكون المناسبة مرتبطة بطقوس صوفية، أو مراسم شيعية، أو حتى عادات شعبية متوارثة…
السؤال المنطقي المطروح الذي أقترحه هنا:
هل هذا السلوك نابع حقًا من فهم للدين؟ أم نابع من انفعال متوتر يخون في حقيقته أخلاق الدين ذاته؟
القرآن يرسم حدودًا واضحة
“لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الممتحنة: 8 ).
البرّ، والقسط، والعدل، والإحسان… ليست مجرد قيم اجتماعية، بل أوامر قرآنية تنبع من صميم الإيمان، وتمتد لتشمل حتى من يختلف معنا في الدين، ما لم يعتدِ علينا. والبعد الأخلاقي هو جوهر عقيدة المسلم.. باعتبار أن النبي (ص) نفسه حصر رسالته في البعد الأخلاقي: “إنما بعثتُ لأُتمّم مكارم الأخلاق”.. إنما أداة حصر.. يعني: لم أُبعثْ لشيء سوى لإتمام مكارم الاخلاق..
القرآن يُعلِّم نبيه وأتباعه التواضع الفكري
“وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (سبأ: 24).
هذا قول نبيّ، لا متعصب، يُخاطب المشركين (عبّاد أصنام، ومشركون يعتقدون أن المسيح ابن الله، وآخرون يعتقدون أن عزير ابن الله) بأدب الحوار، ويفسح المجال لاحتمال أن يكون على خطأ – وهو المعصوم! فكيف بمن هم دونه؟ أليس من باب أولى أن يُحسن الظن، ويتجنّب السخرية والتشنّج؟
يدّعون الدعوة، ولا يلتزمون بأخلاق الدعوة؟
من يزعم الدفاع عن “العقيدة الصحيحة”، إذا كان صادقًا، أليس من باب أولى أن يتأسّى ويقتدي بسلوك الأنبياء في دعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة.
“وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ” (الأنعام: 108)
السبّ والتشنيع لا يدلّ على يقين، بل على هشاشة، لأن من كان قويًّا بحجته لا يحتاج إلى الصراخ… ومن كان مطمئنًا لمذهبه، لا يهتزّ لوجود مذهب آخر.
المواطنة لا تفرّق بين سُنّي وشيعي وصوفي وملحد
في الدولة المدنية، الجميع متساوون أمام القانون، ولا يملك أي تيار أو طائفة سلطة تقرير “من الأصيل ومن الدخيل”.
ومنطق “الانتماء التاريخي” لا يصلح مبررًا للإقصاء. فالزمن لا يمنح أحدًا امتيازًا على غيره، والهوية الوطنية لا تبنى على الطرد، بل على التعدد والعيش المشترك. وإلا فجذور التشيع الفاطمي أقدم في تونس من جذور الأشعرية.. وجذور المسيحية أقدم من الإسلام، وجذور الوثنية البربرية أقدم من جذور المسيحية…
الغلوّ الديني لا يختلف عن الغلوّ العلماني أو القومي أو الإيديولوجي
وكلّ من يضيق بالاختلاف، ويريد فرض نمط واحد في التدين أو التفكير أو الانتماء، إنما يمارس نوعًا من الاستبداد الرمزي الذي يُغذّي الانقسام ويخنق الحريّات.
وفي النهاية، لا فرق بين من يخشى “الحسينيات” في تونس، ومن يخشى “الحجاب” في فرنسا. كلاهما ضحية خوف غير مبرر، يرتدي قناع الغيرة على القيم.
فلنحرّر الإيمان بالله واليوم الآخر من التوتر، ولنحرّر الدعوة للإسلام الأخلاقي من التشنّج.. ومن أراد نصرة دينه، فليبدأ بأخلاقه، ومن أراد الحفاظ على وحدة مجتمعه، فليحذر من الخطاب الإقصائي باسم الهوية الدينية، لأنه غالبًا ما يُخفي تحته مجرّد رُهاب حضاري، أو قلق وجودي.
حرية المعتقد لا تهدّد وحدة المجتمع، بل تهدّد فقط وَهْم “التوحيد القسري” الذي يتوهمه المتشددون.. أما المجتمع السليم، فهو يتّسع لأبناءه على اختلاف طرائقهم، لأنهم يشتركون في أرض مشتركة، ومقدّرات مشتركة، ومصير مشترك.
في مواسم الطقوس الدينية والانقسام
في كل موسم ديني — الصوفي أو الشيعي أو الشعبي — يخرج علينا من يُشهر سيف الانتقاد بوصفه غيرة على العقيدة.
والسؤال المنطقي الذي يُفوّته كثيرون: هل الهاجس الحقيقي هو حماية العقيدة، أم حماية السيطرة على تعريف ما هو “إسلام صحيح”؟
الفرق بين النقد الديني الجاد والنقد الطائفي
النقد الديني الجاد يستند إلى دليل، يُميّز بين الحالات، ويتساءل عن المقاصد. النقد الطائفي يُصنّف أولًا ثم يُدين، ويرفض التمييز لأنه يُعقّد عملية التصنيف.
التنوع الديني والمواطنة
في مجتمع متنوع دينيًا وطائفيًا، لا يملك أحد الاحتكار على ما هو “إسلام صحيح.” كل مكوّن من مكوّنات الفكر الإسلامي — السني، والصوفي، والشيعي، والإصلاحي — يحمل تراثه وأسئلته.
إدارة هذا التنوع لا تعني القبول بكل شيء — تعني رفض التكفير والإقصاء كأدوات للتعامل مع الاختلاف.
خاتمة
الموسم الديني لأي طرف فرصة للتفاهم وليس للتنافس. ومن يُحوّله إلى ساحة صراع يُخسر الجميع.