رؤية العالَم، أو “الرؤية الكونية” يُقصَد بها: النموذج التفسيري لفهم طبيعة المشكلات القائمة في الحياة، في مستوياته الثلاثة:

  • مستوى التصور الذهني للعوالم الطبيعية والاجتماعية والنفسية.
  • مستوى الموقف من العالَم أو الحالة النفسية التي تستدعي إقامة علاقة بهذه العوالم، علاقة تمكين وتسخير وسلام وانسجام.
  • مستوى التخطيط لتغيير العالَم ووضع مجموعة الأهداف التي يسعى الإنسان من خلال تحقيقها إلى جعل العالَم أكثر انسجاما وتوازنا.

وتحاول “رؤية العالم” الإجابة على عدد من الأسئلة في كل مستوى، من قبيل: كيف يمكن لمختلف الرؤى أن تقود الناس إلى استنتاجات مختلفة حول قضايا كأصل الكون والإنسان والحياة، والعدل والحرية، والفقر وتوزيع الثروة، والسلطة والانتماء والصراع؟ وما هو تأثير محددات هوية الفرد (مثل عِرْقه وجنسه ولغته وانتمائه الجغرافي) على رؤيته للعالم؟

أنواع رؤى العالم

توجد عموما ثلاثة أنواع من رؤى العالم:

الرؤى العلمية: وتقوم على دعائم ثلاث: الدعامة التجريبية (Empiricism)، والدعامة العقلانية (Rationalism)، والدعامة الشكّية (Skepticism).

الرؤى الفلسفية: وتقوم على دعائم أربع: المنطق والتفكير المنطقي، والاستنتاج الاستنباطي من العام إلى الخاص، والاستنتاج الاستقرائي من الخاص إلى العام، والرياضيات والتخمين.

الرؤى الدينية للعالم: تقوم على دعامتي العقل والنقل (أو الوحي).

دراسة رؤى العالم ومقارنتها

تمثل دراسة ومقارنة “رؤى العالم” محور الدراسات المعاصرة للأديان، لما توفره من زاوية نظر واسعة تساعد في فهم المشاكل الناجمة عن الانطباعات المتراكمة والمتولدة عن الدراسة التجزيئية للأديان.

والمقصود هنا بـ”الدراسة المعاصرة للأديان” هو دراستها كأحد أبعاد الحياة، ومحاولة فهمها في السياق التاريخي ومن خلال التقاطعات الثقافية فيما بينها، على ضوء الأدوات المعرفية التي تتيحها مختلف التخصصات العلمية، مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم اللغة. وتمثل هذه الدراسة إطارا موازيا يتقاطع أحيانا مع العلوم السياسية والاقتصادية.

وإذا جاز القول بأن الإنسان “حيوان سياسي بطبعه” و”حيوان اقتصادي بطبعه”، فهو أيضا “حيوان متدين بطبعه”. فليس من أحد، سواء متدينا أو ملحدا، إلا وله رؤية خاصة لذاته وللعالم من حوله. ولذلك فمن الضروري دراسة الأديان من خلال البحث العميق في المشاعر والأفكار التي تولّدها لدى الناس فيتحركون على أساسها.

تحليل الرؤية الدينية للعالم

يعتمد تحليل “رؤية العالم” الناتجة عن الدين على شرح الرؤية وفهمها من خلال ربط الأفكار والمعتقدات الدينية بالرموز والممارسات (أو الشعائر)، بحيث لا يكون التحليل مجرد سرد للمعتقدات النظرية، بل يتم استحضار المعتقد والوعي والممارسة معا. إذ أن رؤية العالم “ليست صورة ساكنة من الرؤية النظرية ولكنها مرجعية يتم تفعيلها لتوجيه الأداء والممارسة، وتكون نتيجتها تعبيرا عن قيمة ما نقوم به من عمل، وليس ما قيل أو يمكن أن يقال.”

وبالنسبة للفرد، تتشكل رؤية العالم بطريقة تدريجية بطيئة وغير واعية في أغلب الأحيان، في مسار أشبه بعملية الامتصاص، واعتمادا على التعليم والتنشئة والثقافة. وبالتالي فإن “رؤية العالم” غير ثابتة بصورة مطلقة، بل تبقى في تشكّل وتغير وحركة دائمة. ويستوي في هذا الأمر المتدينُ وغيرُ المتدين.

المسلمون ورؤية العالم: نحو علم فِرق معاصر

على ضوء ما تقدم، يمكن القول إن دائرة المسلمين لا تختلف عن هذا الإطار، وبالتالي لا يمكن الحديث في الواقع الراهن عن رؤية كونية موحدة للمسلمين، خلافا للواقع الإسلامي السائد لقرون طويلة مضت. وإنما يوجد حاليا تنوع إسلامي كبير ورؤى إسلامية مختلفة للعالَم داخل الرؤية الإسلامية الجامعة، نتجت عن عوامل كثيرة ومتشابكة، واستجابت للتغييرات الاجتماعية المتزايدة نتيجة حركة الهجرة والتنقل وتلاشي الحدود الثقافية من خلال الفضائيات والإنترنت.

أضف إلى ذلك أن الحديث عن رؤية العالم، كما يؤكد د. فتحي حسن ملكاوي، إنما هو “حديث عما يمتلكه الفرد الإنساني أو الجماعة من إدراك ووعي وفهم، وليس عن شيء آخر لا يتمثل في الإدراك الإنساني. فالذين يميزون بين رؤية معينة واقعية يمتلكها الفرد بالفعل وبين رؤية أخرى في صورة نظرة مثالية، إنما يتحدثون في واقع الأمر عن فهمهم الفعلي لتلك الرؤية المثالية وهي في نهاية المطاف رؤية بشرية. وربما يعتمد الإنسان في تشكيل رؤيته على مصدر رباني علوي، لكن الدلالة الكاملة والمطلقة لهذه الآية شيء والفهم البشري لها شيء آخر.”

معايير الفوارق في الرؤى الإسلامية للعالم

وتشكل القضايا التالية أهم المعايير التي يمكن على ضوئها تحديد الفوارق في الرؤى الإسلامية للعالَم:

  • من هو المسلم، ومن هو الكافر
  • تعريف الإيمان والكفر
  • مفهوم التكفير وتطبيقاته
  • التعامل مع القرآن الكريم
  • التعامل مع السنة النبوية
  • تحديد الأصول والفروع في الدين
  • حديث الافتراق
  • تقسيم المعمورة
  • مكانة الصحابة وأهل البيت والسلف
  • التعددية المذهبية
  • التوسل
  • مفهوم السنة والبدعة
  • الإمامة والخلافة
  • الحاكمية والطاعة
  • الجهاد والعنف
  • جاهلية المجتمع
  • الهوية الدينية والهوية الوطنية
  • مفهوم الأمة
  • الشورى والديموقراطية
  • الإصلاح ووسائل التغيير
  • الإسلام والقومية
  • الإسلام والليبرالية
  • العلاقة مع الآخر
  • العلاقات الدولية
  • الأقليات الدينية
  • الحرب والسلم والدعوة

ولا شك في أن الاهتمام بدراسة التنوع الإسلامي والفوارق المؤثرة بين المسلمين على أساس هذه المعايير، من شأنه أن يساهم في إنشاء علم فِرق جديد، يقوم على أساس تحديد مختلف الرؤى الإسلامية للعالم.