1- من أين أتت مقولة “الكفر مِلَّة واحدة” في الفقه الإسلامي؟ هل هي حديث نبوي او آية قرآنية؟
مقولة “الكفر ملة واحدة” ليست آية قرآنية ولا حديثًا نبويًا صحيحًا، بل هي قول منسوب إلى بعض العلماء في الفقه الإسلامي. وتُستخدم للإشارة إلى أن الكافرين - رغم اختلافهم في المعتقدات والأديان - يتفقون في موقفهم العام ضد الإسلام والمسلمين، مما يجعلهم كأنهم وحدة واحدة في معاداتهم.
في القرآن، لا توجد آية مباشرة تقول “الكفر ملة واحدة”، لكن بعض العلماء استنبطوا هذا المعنى من سورة الأنفال: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ” (سورة الأنفال: 73). والتي تشير إلى أن الكفار يتناصرون ويدعم بعضهم بعضًا.
وفي السنّة النبوية، لا يوجد حديث صحيح ينص على العبارة كما هي. وقد رُوي حديث ضعيف بهذا المعنى، لكنه غير مُعتبر سندًا.
أما في الفقه الإسلامي، فقال بعض العلماء والمفسرين هذه العبارة كتعليق فقهي أو كاستنتاج من النصوص القرآنية والواقع التاريخي. على سبيل المثال، استخدم العلماء هذه المقولة لتفسير تحالف الكفار ضد المسلمين رغم اختلافاتهم العقائدية. ويقال إن العبارة وردت بصيغة مشابهة على لسان ابن القيم أو ابن تيمية، ولكن كتعليق فقهي وليس نصًا مأثورًا.
هل العبارة متوافقة مع روح القرآن؟
- القرآن يؤكد على التعددية في الكفر، فهناك اختلافات جوهرية بين الأمم والديانات الكافرة، كما في قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ” (البقرة: 62).
هذه الآية تشير إلى وجود اختلافات بين العقائد والملل الكافرة، وأن بعضها أقرب إلى الإيمان من غيرها.
- روح القرآن تدعو أيضًا إلى العدل في التعامل مع غير المسلمين وعدم التعميم، كما في قوله: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ” (الممتحنة).
هذه الآية تناقض فكرة التعميم المطلق الذي قد توحي به العبارة “الكفر ملة واحدة.”
هل العبارة سليمة منطقيا؟
-
العبارة منطقية إذا اعتبرناها توصيفًا سياسيًا أو اجتماعيًا للتحالفات أو المصالح المشتركة بين بعض القوى المعادية للإسلام، بغض النظر عن اختلافاتهم العقائدية. وتاريخيًا، يمكن ملاحظة أن قوى غير مسلمة أحيانًا تتعاون فيما بينها لمعارضة المسلمين أو مصالحهم، مما يدعم الفكرة جزئيًا.
-
في المقابل، العبارة فيها تعميم مفرط: لأنها توحي بأن كل من هو كافر يشترك في موقف واحد موحد ضد الإسلام، وهو أمر غير دقيق منطقيًا.
والواقع يظهر أن الكفار أنفسهم يختلفون ويتصارعون فيما بينهم (مثل الحروب الدينية بين المسيحيين واليهود أو الملحدين وغيرهم).
بالتالي، فليس كل كافر بالضرورة معاديا للمسلمين.
- من ناحية أخرى، العبارة تُغفل التعددية الفكرية والاجتماعية داخل ما يُسمى “الملة الكافرة”. فعلى سبيل المثال، هناك كفار يدافعون عن حقوق المسلمين، وآخرون يتعاونون معهم لتحقيق أهداف مشتركة.
هذا التعميم يتعارض مع القيم القرآنية في التعددية، ويؤدي إلى نظرة عدائية تجاه غير المسلمين، وهو ما يتعارض مع دعوة القرآن للبر والقسط مع من لا يعادي المسلمين.