من الذكريات العميقة لفترة تديني الأولى، أتذكّر صوم عاشوراء…
كان عمري آنذاك بين 15 و18 سنة، حين بدأت أهتم بالفرائض، ثم بالسنن، مدفوعًا برغبة صادقة في التقرّب إلى الله، وبحثًا عن محبة النبي (ص) من خلال الاقتداء بمنهجه. كانت تلك مرحلة يغلب فيها الخطاب الديني التقليدي، حيث لا يكاد يخلو مجلس أو خطبة أو درس من التذكير الدائم بفضائل الاتباع، و”مقامات” المتقين، و”درجات” العابدين…
شيئًا فشيئًا، صارت كثير من السنن في ذهني وكأنها واجبات، لا مجرّد أعمال تطوّعية. بل تحوّل التذكير بها – في بعض الأوساط – إلى هرسلة نفسية، أو حتى إلى نوع من التنافس والمفاخرة غير المعلنة.
لكن مع الوقت، بدأت أفهم أن الشعائر الدينية تتكون من مستويات: منها الواجب، ومنها السنّة، وأن الفقه الإسلامي عرّف السنّة بأنها: “ما يُثاب فاعله، ولا يُعاقب تاركه”، ما يعني أنها مجال مفتوح للاختيار، يسمح بالتنوّع، ويمنح المؤمن فرصة للتكيّف مع حالته النفسية والعملية.
واكتشفت باكرًا قول الله تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ…” (البقرة 256)، وكنت أكررها وأتأملها طويلًا، محاولًا إدراك كيف يمكن أن يكون التدين حقيقيًا إذا كان منبعُه الاختيار لا الإجبار، والخضوع لله نابعًا من الحرية لا من الضغط.
ثم وجدت أحاديث نبوية عديدة تؤكد هذا المسار:
“يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا”
“إن الدين يُسر، ولن يُشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه”
“ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فافعلوا منه ما استطعتم…”
“يا معاذُ، أفتَّانٌ أنت؟!” (في النهي عن إطالة الإمام في الصلاة)
“أفلح إن صدق” (عن من اكتفى بالفرائض وترك النوافل)
“إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه”
“يا عائشةَ! ارفقي، فإن الله إذا أراد بأهل بيتٍ خيرًا أدخل عليهم الرفق”
“إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”
ك “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه”
“إنما بُعثتم ميسّرين، ولم تُبعثوا معسّرين”
وهناك عشرات الآيات والأحاديث الأخرى التي تؤكد مبدأ الحرية في التدين، والانفتاح في العبادات، والرفق في الدعوة، والرحمة في التوجيه.
ثم تَوسّع فهمي لمفهوم “السنّة” عند الفقهاء والمحدّثين، واكتشفت أن كثيرًا مما يسمى سننًا كان من العادات النبوية المرتبطة بثقافته وزمانه ومجتمعه، لا من لُباب الدين ولا من جوهر الوحي.
وهكذا تبلور لديّ إدراك جديد: أن التشدد في اتباع كل السنن لا يقرّب من النبي، بل قد يكون مناقضًا لروحه المنهجية في الدعوة. وبحثت عن أحاديث يأمر فيها النبي (ص) أصحابه بلزوم السنن، فلم أجد. بل وجدته يخيّرهم، ويرفع عنهم الحرج، ويمنحهم حرية التقدير، مثل ما ورد في صوم عاشوراء:
“إنّ هذا يوم عاشوراء، ولم يُكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر”.
وبتدرّج هادئ وعميق، انتقلت من تلك النزعة السلفية الصارمة، إلى تدين أكثر وعيًا، وأشد بحثًا عن المعنى، وأكثر اتزانًا في فهم الحياة. وفي سن 19 أو 20، بدأت أفاجئ عائلتي وأقاربي، ممن اعتادوا مني سمت “الملتزم المتشدد”، بأنني أحدثهم عن الرحمة والرخص والتيسير وحرية الاختيار، وبيّنت لهم أن ترك السنن لا حرج فيه، ولا ذنب.
ولم يكن ذلك تحوّلًا في الخطاب فقط، بل في السلوك أيضًا: فلم أعد ألتزم بصيام عاشوراء، ولا بالنوافل، ولا بالشفع والوتر، ولا بالتراويح. لا من باب التهاون أو الكسل، بل حبًا للحرية، وتذوقًا لجمال الاختيار، وتحررًا من الشعور بالضغط الشعائري.
واستمر هذا التحول نحو التدين الواعي المتوازن قرابة عشر سنوات، خرجت فيها من الصرامة “السلفية”، ودخلت في التزام من نوع مختلف: التزام أخلاقي وفكري ومنطقي صارم.
نعم… التزام الحرية والتيسير، يمكن أن يتحول إلى التزام صارم..
صوم عاشوراء: التقاطع بين التقاليد
اكتشاف النبي صلى الله عليه وسلم أن اليهود يصومون عاشوراء، وأمره بصيام يوم قبله مخالفة لهم مع استمراره في صيام اليوم ذاته — هذا الموقف يحمل درسًا: الإسلام لا يتعرّف بالاختلاف عن الآخر بل بالحقيقة في ذاتها.
ما تبقّى من تلك المرحلة
ذلك التدين الأول — رغم ما فيه من حماسة عاطفية — كان له أثر أصيل: علّم المراقبة الداخلية وإيجاد معنى في الفعل اليومي. وهذا الأثر بقي حتى حين تطورت بقية الرؤية.