استشارني أحد الاصدقاء في موضوع استثماري (متعلق بالقروض البنكية)، فأشرت عليه برأي بعض الفقهاء المعاصرين..

وهذا السؤال متكرر ولم يعد مجرّد استفسار فردي، بل أصبح يعكس أزمة أعمق: أزمة التقاء النص الفقهي التقليدي مع واقع اجتماعي واقتصادي متحوّل، تتراجع فيه الدولة عن أدوارها في توفير الخدمات وضمان التوزيع العادل للثروة.

ومن أمثلة ذلك:

  • التأمين التجاري: يُحرّمه الفقه التقليدي بصفته غررًا، بينما يُجيزه الفقه المعاصر كضرورة لتحقيق التكافل وحماية الأموال.

  • القروض البنكية لشراء المنازل: يُحرّمها الفقه التقليدي تحريمًا مطلقًا باعتبارها ربا، بينما يُعاملها الفقه المعاصر كحاجةٍ مُلحة تُشبه الضرورة في ظل غياب بدائل.

  • العملات الرقمية: يجدها الفقه التقليدي غامضة ويُشكّك في جوازها، بينما يسعى الفقه المعاصر لتكييفها وفق قواعد جديدة لفهم طبيعتها وأحكامها.

  • بيع المرابحة للآمر بالشراء: يراه الفقه التقليدي تحايلًا على عقد القرض الربوي، بينما يعتمده الفقه المعاصر كبديل شرعي للتمويل.

موقفي في مثل هذه المسائل يقوم على قاعدة واضحة:

أنا مع كل رأي فقهي ييسّر حياة الناس في ظروف الانسحاب المتزايد للدولة من واجباتها الأساسية، بشرط أن يكون هذا التيسير ضمن إطار أخلاقي ومقاصدي متناغم، يحافظ على روح القرآن ومبادئه الكبرى

ولست مع الآراء الفقهية التي تكتفي بتكرار الاستدلالات التراثية التحريمية، دون أي التفات إلى تغيّر السياقات الاجتماعية والاقتصادية، لأن الجمود على ظاهر الأقوال القديمة، من غير اعتبار لمقاصد الحلال والحرام، يُفقد الفقه جوهر وظيفته، وهي مواكبة الواقع وتوجيهه نحو العدالة والخير

القرآن والسنة مليئان بالشواهد التي تؤسس لفقه مرن ومقاصدي:

  • يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (البقرة) أصل جامع في رفع الحرج.

  • وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (الحج)، نص صريح في دفع الضيق عن الناس.

روح القرآن قائمة على التيسير، لا سيما في أحوال الضرورة والاضطرار التي تضغط على الناس بسبب غياب العدل الاجتماعي أو انسحاب الدولة من واجباتها.

حين تتخلى الدولة عن مسؤوليتها في توفير السكن، والتعليم، والصحة، والعمل، وتترك المواطن فريسة لآليات السوق وحدها، يصبح من غير العدل أن نحمّل الأفراد وزر خيارات اقتصادية قسرية، ثم نضعهم تحت مقصلة الفتاوى التحريمية.

فالحرام والحلال ليسا مجرد “أحكام جاهزة” تُستنسخ من بطون الكتب، بل هما نظام متكامل يُقاس بمآلاته: هل يحفظ كرامة الإنسان؟ هل يحقق العدالة؟ هل يضمن السلم الاجتماعي؟

بالتالي، فالاقتصار على النقل من التراث من دون اجتهاد جديد، يُحوّل الفقه إلى مجرد إعادة بثّ لمقولات قديمة نشأت في سياق تاريخي مختلف.

أما الفقه الحقيقي، فهو القادر على قراءة تحولات المجتمع ومشكلاته الاقتصادية، وفهم موازين القوى بين الدولة والفرد، وصياغة حلول تعيد التوازن بين الإنسان، الدولة، والمقاصد العليا للقرآن.

الفتوى في سياق الاقتصاد المتغيّر

ما يُعقّد الأمر هو أن كثيرًا من الفتاوى الفقهية صِيغت في سياق اقتصادي ومجتمعي مختلف جذريًا. الاقتراض البنكي في مجتمع حيث الدولة توفّر السكن والصحة والتعليم مجانًا يختلف عن الاقتراض لتأمين هذه الحاجيات في مجتمع تتقلّص فيه الدولة.

الفقه الجيد لا يُعطي إجابات جاهزة بمعزل عن هذا السياق — يُعالج المسألة في ضوء الواقع.

الموقف الذي أراه أمينًا

الإجابة الأمينة تجمع بين ثلاثة: المعرفة بالأدلة، والفهم للسياق، والشجاعة على قول “المسألة فيها اجتهاد ولا حسم قاطع”. هذه أمانة أكبر من إجابة حاسمة تُريح السائل لحظيًا لكنها تُبسّط ما هو مركّب.

خاتمة

الفتوى الاقتصادية الجيدة لا تبدأ بنص فقهي معزول — تبدأ بفهم السياق الذي يعيشه السائل، ثم تُقدّم اجتهادًا مسبباً لا حكمًا جاهزًا.