..
أصحاب الفكر الديني الطائفي هم أكثر من يخونون دينهم، ويخونون أنصارهم وأصدقاءهم..
في هذا المنشور محمد علي حراث يكذب ويدلس، لأنه يعرف أن الناس لا يتابعون التفاصيل ولا يبذلون الجهد للتحقق.. هو يعرف أنهم، لمجرد ثقتهم في القائل، يقبلون كلامه بدون تثبت.. بمعنى آخر: هو يخون ثقتهم، ويستحمرهم..
أولا- موقف الشيعة:
المرجعيات الدينية الكبرى مثل السيد علي السيستاني لم تؤيد الغزو الأمريكي، لكنها لم تدعُ إلى المقاومة المسلحة، بل دعت إلى ضبط النفس وتجنب الفوضى، مع التركيز على التحول السياسي السلمي وتأسيس الدولة العراقية الجديدة عبر صناديق الاقتراع.
والتيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر، وهو تيار شعبي شيعي، دخل في مواجهات مسلحة مباشرة مع قوات الاحتلال الأمريكي خصوصًا في 2004 (انتفاضتا النجف الأولى والثانية).
إذن: الادعاء بأن “أئمة الشيعة أفتوا بحرمة مقاومة الاحتلال” غير دقيق، حيث تباينت المواقف، وكان بعضهم في حالة مقاومة فعلية.
موقف السنّة
نعم، صدرت فتاوى كثيرة من علماء سنة عراقيين وعرب ضد الاحتلال الأمريكي، ودعوا إلى المقاومة، سواء بالكفاح المسلح أو السياسي.
ولكن صاحب المنشور يتعمد التدليس، من خلال تفادي الاعتراف بأن كثيرا من فصائل المقاومة المسلحة السنية (قومية وصوفية وسلفية جهادية) نشأت حينها، وأدّت لاحقًا إلى ظهور تنظيم القاعدة في العراق ثم داعش.
العلاقة بين السنة والمقاومة، والشيعة والاحتلال
الحقيقة التي لا يقولها طائفي، هي أن:
-
الانخراط في المقاومة لم يكن مقتصرًا على السنة..
-
كما أن التعاون مع الاحتلال لم يكن مقتصرًا على الشيعة.
بل شارك سياسيون من كلا الطرفين في النظام الجديد، وشارك مسلحون من الطرفين في مقاومته أيضًا.
تبسيط الأمور على أساس طائفي هو تضليل
كلام صاحب المنشور يبني رواية ثنائية طائفية مبسطة (سنة مقاومون، وشيعة عملاء)، وهي مضلِّلة ومستخدمة في التحريض الطائفي.
الواقع أكثر تعقيدًا بكثير، وشمل:
-
مصالح سياسية متباينة.
-
حسابات داخلية.
-
اختراقات أمريكية وتنظيمات خارجية.
-
انقسامات داخل كل طائفة.
خطاب التضليل الديني وآليات عمله
نموذج محمد علي حراث يُمثّل آلية متكررة في الخطاب الديني الطائفي: الاستناد إلى ثقة الجمهور المسبقة كغطاء للتدليس.
هذا الخطاب يعرف جيدًا أن جمهوره لن يتحقق. ليس لأنهم غير أذكياء، بل لأن:
- التحقق يستلزم وقتًا وجهدًا
- الثقة في القائل تُغني عن التحقق نفسيًا
- الجمهور الطائفي يُريد تأكيد ما يعتقده سلفًا
السمة المشتركة لخطاب التضليل الديني
الخطاب الديني الطائفي المُضلِّل يشترك في سمات ثابتة:
- يستهدف عاطفة دينية حقيقية (الغيرة على الإسلام، الخوف من الانحراف)
- يُقدّم معلومات مجتزأة صحيحة جزئيًا ومضللة في سياقها
- يبني ثقة طويلة المدى ثم يستخدمها في لحظات حاسمة
- يجعل التشكيك فيه يبدو كالتشكيك في الدين نفسه
كيف نقاوم هذا الخطاب؟
التحصين ليس بالبحث الدفاعي عن أدلة تُدحض كل ادعاء — هذا يستنزف طاقة لا نهاية لها. التحصين الحقيقي هو تطوير “حساسية المنهج”: أسأل قبل أن أقبل — من يقول؟ ما مصدره؟ هل هناك رواية مختلفة؟
خاتمة
الخطاب الطائفي المضلل لا يُقاوَم بخطاب طائفي مضاد — يُقاوَم بالمنهج والتثبّت والرفض المبدئي لثقافة “الاتباع دون تحقق.”
كيف نتعامل مع هذا الخطاب؟
ليس بمجاراته بل بكشف آليته. حين يُشار بوضوح إلى التدليس ومواضعه، تتقلّص مساحة انتشاره. والمشكلة أن هذا الكشف يتطلب جهدًا لا يُقارَن بجهد نشر الادعاء الأصلي.