ماكس أستاذ اقتصاد سابق في جامعة أوتاوا وخبير أممي في السبعينيات والثمانينيات من عمره. أصوله من هايتي وأمه من لبنان، وقد عاش طويلا في تشيلي وجنيف قبل أن يستقر في أوتاوا. لقاءاتنا منتظمة، وكثيرا ما نتحدث في الفلسفة والسياسة والتاريخ. وقد عرّفت عنه مرة بأنه “لاأدري متدين الروح” — رجل يحمل فضولا روحيا دون انتماء عقدي محدد.
وفي غداء أخير، لاحظت تغيّرا في طبيعة أسئلته.
الحداد الذي يُعيد فتح الأبواب
توفيت زوجته قبل ستة أشهر تقريبا. وكانا قد بنيا حياة طويلة معا تجاوزت النصف قرن. ومع الرحيل جاء الفراغ — ذلك النوع من الفراغ الذي لا يملؤه عمل ولا سفر ولا أصدقاء.
قال لي: “بدأت أُصلّي كل صباح.” لم يكن المسيحي الممارس في شبابه. كان ترك كل ذلك منذ زمن. ثم جاء الموت فأعاده إلى شيء لا يُحدّده بدقة لكنه يشعر بحاجته.
ثم سألني السؤال الذي غيّر مسار الغداء: “هل تؤمن بالمعجزات والظواهر الخارقة؟“
جواب لا يخدع ولا يتهرب
كان بإمكاني أن أُجيب بما يُرضيه فقط. لكن الحوار الصادق يستلزم الصدق بمحبة لا المجاملة بصمت.
قلت له: كل إنسان يؤمن بوجود إله خالق للكون ومتصرف فيه — لا يصعب عليه قبول المعجزات. المعجزة ليست خرقا للطبيعة بمنطق التعسف؛ هي تدخّل الخالق في ما خلق حين يقتضي الحكمة ذلك. والمشكلة الحقيقية ليست في قبول إمكانية المعجزة بل في التحقق من ادعاء حدوثها في حالة بعينها.
سمع ذلك بتمعّن ثم قال: “أشعر أحيانا بحضورها. في المنام. كأنها هنا.”
البرزخ والرؤيا: ما يقوله الإسلام
لم أُسارع إلى الرد الديني الجاهز. أردت أن أفهم أولا ما يُعنيه.
قال: يرى زوجته في أحلامه. وتلك الأحلام لها نوعية مختلفة عن سائر الأحلام — هدوء غير عادي، وشعور باطمئنان يبقى بعد الاستيقاظ. ويتساءل: هل ثمة تواصل حقيقي؟
هنا تحدثت عن مفهوم البرزخ في القرآن — العالم الوسط بين الموت والبعث — وما تقوله النصوص الإسلامية عن الأرواح. البرزخ ليس عدما بل مرحلة ذات حياة من نوع لا نعرف تفاصيله.
ثم ذكرت له حديثا نبويا استوقفه طويلا: “الرؤيا الصالحة من الله جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.” النبوة في جوهرها وحي — معرفة تأتي من خارج العقل الاعتيادي. والرؤيا الصادقة الهادئة قُطعة صغيرة من هذا الوحي متاحة لكل إنسان.
لم أقل له: “إذن زوجتك تتواصل معك.” لكني قلت له: ما يحدث لك من هدوء وطمأنينة في بعض الأحلام ليس وهما ولا صدفة — هو نوع من التواصل الذي تُقرّ به النصوص الدينية الكبرى في صيغ مختلفة.
ما علّمني إياه ماكس
لم يكن ماكس يبحث عن إجابات كاملة. كان يبحث عن إذن — إذن ليأخذ هذه الأحلام بجدية دون أن يشعر بالسذاجة.
والحوار الروحي الحقيقي في الغالب هو هذا: ليس إقناع الآخر بعقيدتك، بل أن تُقدّم له إطارا يُتيح له التعامل مع تجربته بكرامة دون أن تُفرض عليه كلمتك الأخيرة.
ما تعلّمته من هذا الغداء هو أن الحداد أقوى محرك للسؤال الروحي. الناس لا يسألون عن الحياة بعد الموت وهم بصحة وقوة — يسألون حين يفقدون من أحبّوا. وهذا يعني أن كل مجتمع يُحسن التعامل مع الحداد يُحسن في الحقيقة التعامل مع الأسئلة الجوهرية.
وماكس في الثالثة والثمانين — بعد عمر من البحث الفكري والسفر والعمل الدولي — يجد نفسه يُصلي كل صباح ويتساءل عن إمكانية التواصل مع من رحلت. هذا لا يدل على ضعف. يدل على عمق.
خاتمة
تلك الآية التي اخترت أن أختتم بها حديثي معه كانت: حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون. لعلّي أعمل صالحا فيما تركت (المؤمنون: 99-100). قرأتها بالعربية أولا ثم ترجمتها. صمت قليلا ثم قال: “هذا بالضبط ما يشعر به الإنسان.”
الحداد يُعلّمنا ما لا تُعلّمه السنوات الهانئة: أن الأسئلة الكبرى لا تنتهي، وأن الإنسان — مهما بلغ من عمر أو علم — يبقى أمامها صغيرا بحاجة إلى نور.