السؤال الذي لا نطرحه

حين نتحدّث عن الاستبداد وأسبابه في تاريخنا الإسلامي، تتّجه الأنظار عادةً إلى الفقهاء والمثقّفين الذين باعوا أقلامهم وفتاواهم للسلاطين، وإلى المنافقين الذين زيّنوا للحكّام ظلمهم. وهؤلاء بلا شكّ يتحمّلون نصيبًا كبيرًا من المسؤولية. لكنّ السؤال الأعمق والأصعب هو: هل هؤلاء هم فعلًا أكبر أعوان الاستبداد؟

الصالحون الصامتون

الجواب، على ثقله، هو: لا. ليسوا الفقهاء والمثقّفين الفاسدين هم أكبر أعوان الاستبداد، بل هم الصالحون الذين سكتوا عنه عبر القرون.

لأنّ طيبتهم وإخلاصهم حجبت عن الناس غفلتهم عن أنّ الحكم الشوري عمود الملّة، وأنّ الجهاد السلمي لإقامته خير الجهاد.

هذه هي المفارقة المؤلمة: فالفاسد حين يدعم الاستبداد لا يخدع إلا من يريد أن يُخدَع، لأنّ فساده مكشوف وأغراضه واضحة. أمّا الصالح حين يسكت عن الاستبداد، فإنّ صلاحه يمنح سكوته شرعية لا يملكها كلام الفاسدين كلّه. الناس يثقون بالصالح، ويقتدون به، فإذا رأوه صامتًا أمام الظلم ظنّوا أنّ السكوت هو الموقف الشرعي الصحيح.

كيف تحوّل السكوت إلى شرعية؟

على مرّ القرون، ترسّخت في الوعي الإسلامي فكرة أنّ طاعة الحاكم واجبة مطلقًا، وأنّ الخروج عليه فتنة، وأنّ الصبر على الجور أولى من المطالبة بالعدل. وقد أسهم في ترسيخ هذه الفكرة ليس فقط فقهاء السلطة، بل أيضًا — وربّما بدرجة أكبر — العلماء الصادقون الذين آثروا السلامة والعافية، وظنّوا أنّ تجنّب الفتنة يكون بالصمت عن المطالبة بالشورى.

والنتيجة أنّ أجيالًا متعاقبة نشأت وهي لا تعرف أنّ الشورى ليست فضيلة مستحبّة يتكرّم بها الحاكم، بل هي ركن من أركان الحكم الإسلامي وأصل من أصوله. وحين غابت هذه القناعة من الوعي الجمعي، أصبح الاستبداد هو القاعدة والشورى هي الاستثناء.

المسؤولية المضاعفة

إنّ مسؤولية الصالح الذي يسكت عن الحقّ مضاعفة: مسؤولية أمام الله لأنّه كتم علمًا وقصّر في واجب الأمر بالمعروف، ومسؤولية أمام الأمّة لأنّ صمته أعطى الظلم غطاءً أخلاقيًّا ودينيًّا ما كان ليحصل عليه بجهود الفاسدين وحدهم.

ولا يُقصد بهذا الكلام التشكيك في نوايا هؤلاء الصالحين أو الطعن في إخلاصهم، فكثير منهم كان صادقًا في تقواه ومخلصًا في عبادته. لكنّ الإخلاص وحده لا يُعفي من المسؤولية حين يكون السكوت عن الحقّ إعانةً على الباطل.

ولا تبحثوا عن نماذج لهؤلاء بعيدًا بعيدًا، فبعضهم قريب جدًّا منّا: نعيش معه ويعيش معنا.