منذ بضعة أشهر أطلقت مشروعًا بعنوان “بوصلة فكرية” على قناة يوتيوب. فكرته في ظاهرها بسيطة لكن جوهرها عميق: إعادة ترتيب أولوياتنا الفكرية والأخلاقية ونحن نقرأ العالم ونواجه أزماته.

أصدرت خمس أو ست حلقات ثم اضطررت إلى تجميد المشروع.

سبب التجميد

ضعف الاهتمام كان عاملًا، لكن الأهم كان انشغال الجمهور بمتابعة أحداث غزة المستمرة. وجدت نفسي في مأزق: الاستمرار قد يضعني عند بعض المتابعين في خانة “الترف الفكري” حين يتابع الناس دمًا وصواريخ.

لكنني كنت ولا أزال أرى أن الحاجة إلى التفكير المنهجي أعمق في أوقات الأزمات لا أقل.

المفارقة التي لا يراها كثيرون

حين تكون الأحداث أكثر حدة وضغطًا، يكون الحاجة إلى التفكير الهادئ أكبر لا أقل. الأزمات تُنتج إنسانًا منفعلًا عاجزًا عن الفصل بين ما يجري وما ينبغي أن يُفكّر فيه.

لكن هذا بالضبط ما يصعب تسويقه رقميًا: الهدوء الفكري في وقت العواصف لا يجذب الانتباه الذي يجذبه الصراخ.

ما كانت “البوصلة الفكرية” تطرحه

الحلقات التي صدرت تناولت أسئلة من قبيل: كيف نُقيّم الأخبار بمعيار موضوعي؟ ما الذي يُشكّل قناعاتنا دون أن ندرك؟ كيف نُمييز بين رأي مبني على الحجة ورأي مبني على الانتماء؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بغزة وحدها — هي أدوات تُفيد في فهم كل حدث بما فيها غزة. لكنها لا تبدو “عاجلة” بما يكفي للمنافسة على الانتباه في بيئة تُكافئ العاجل دائمًا على المهم.

ما المستقبل؟

التجميد لم يكن قرارًا نهائيًا. الفكرة تنتظر لحظة مناسبة — حين يبحث الناس عن أدوات للفهم لا مجرد مزيد من المعلومات. وربما هذه اللحظة تأتي حين يُنهك الجميع من ردود الفعل المتواصلة ويبحثون عن شيء أعمق.

خاتمة

“بوصلة فكرية” مشروع يؤمن بفكرة بسيطة: الفكر الجيد يسبق الموقف الجيد. وأن الأزمات لا تُحلّ بمزيد من الغضب والتعبئة — بل بقدرة أكبر على الفهم والتمييز والحكم الرشيد.

الجمهور الذي يبحث عن أدوات للفهم موجود — لكنه أقل ضجيجًا من الجمهور الذي يبحث عن تأكيد. والكاتب أو المُنتِج الذي يختار خدمة الأول يقبل بجمهور أصغر في الأجل القصير لكن أكثر ولاءً وأعمق تأثيرًا في الأجل الطويل. ‘بوصلة فكرية’ مشروع يؤمن بهذا المسار.

لماذا يُشعر الطموح الفكري بالوحدة في وقت الأزمات؟

حين يكون الجمهور مُنخرطًا في متابعة حدث كبير ومؤلم كغزة، أي محتوى لا يتعلق بهذا الحدث مباشرة يشعر أصحابه بأنهم يتكلمون في الفراغ. هذا ليس لأن ما يقولونه بلا قيمة — بل لأن الانتباه محتجز.

لكن الأزمات المطوّلة تنتج بذاتها حاجة متنامية لما يُسمّيه بعضهم “الهواء الفكري النظيف” — محتوى يُساعد على الفهم لا على الانفعال، يُبني أدوات لا يُضيف ضجيجًا.

ما الذي يستحق البناء عليه؟

الحلقات الست من “بوصلة فكرية” التي أُنجزت تمثّل بداية حقيقية. ما فيها من أسئلة حول أولويات التفكير وآليات قراءة الواقع لا تصلح عن اليوم فقط — تصلح عن كل يوم.

المحتوى الذي يبني مهارات لا يتقادم. والمحتوى الذي يعلّق على الأحداث يُقرأ اليوم ويُنسى غدًا.

خطة المستقبل

المشروع مؤجَّل لا ملغى. حين تتفرّق الأحداث الضاغطة قليلًا — أو حين يتراكم جمهور يبحث عن هذا النوع من المحتوى — العودة ممكنة.

ما تعلّمته من هذه التجربة: المشاريع الفكرية ذات النَفَس الطويل تحتاج جمهورًا يبنيه الوقت، ولا يمكن اختصار هذا البناء بمنافسة الأحداث اليومية.