“لماذا لم تعمل في اختصاصك؟” — سؤال يُطرَح كثيرًا في المقابلات المهنية على من تحوّل مساره الوظيفي عن تخصصه الأكاديمي. كثيرون يشعرون بالدفاعية أمامه وكأنه يحمل لومًا ضمنيًا.

لكن هذا السؤال — حين يُفهم ويُجاب عنه بثقة — يمكن أن يُصبح نقطة قوة حقيقية.

لماذا يُخطئ كثيرون في الإجابة؟

الخطأ الشائع هو الاعتذار. “للأسف لم تتح لي الفرص في مجال تخصصي” أو “الظروف لم تُساعد.” هذا الأسلوب يُضعف الموقف لأنه يُقدّم صاحبه كضحية للظروف لا كشخص يملك قراراته.

الإجابة الأقوى هي عكس ذلك: تحويل المسار إلى قرار واعٍ ومبرَّر.

كيف تُصاغ الإجابة القوية؟

الإجابة القوية تجيب على ثلاثة أسئلة:

أولًا: ماذا أعطاك تخصصك الأكاديمي فعلًا؟** ليس ما كان من المفترض أن يُعطيك إياه — بل ما أخذته منه فعلًا. طريقة التفكير، والمنهجية، والإطار التحليلي.

ثانيًا: كيف ترتبط هذه المهارات بما تعمله اليوم؟** الربط لا يجب أن يكون مباشرًا — يمكن أن يكون منهجيًا أو تحليليًا أو قيميًا. طبيب أصبح مدير مشاريع يحمل طريقة تفكير منظّمة في إدارة التعقيد. مهندس أصبح محللًا ماليًا يملك دقة في التفكير الكمّي.

ثالثًا: ما القيمة المضافة التي تُقدّمها بسبب هذه الخلفية غير التقليدية؟** التحوّل المسلكي يُعطيك نظرة ثنائية نادرة. من جاء من خارج القطاع يرى ما لا يراه من نشأ فيه.

مثال عملي

“درست هندسة الكمبيوتر ثم عملت في تحليل الأعمال لأنني اكتشفت أن ما أستمتع به حقًا هو الفضاء بين التقنية والبشر — فهم كيف تُحلّ المشاكل الإنسانية بالأدوات التقنية. خلفيتي الهندسية تجعلني أتحدث مع الفرق التقنية بلغتهم بينما أُترجم للقيادة بلغة الأعمال. هذا الفضاء هو الأكثر قيمة في عملي اليوم.”

هذه إجابة تُقدّم التحوّل كميزة لا كعائق.

متى يكون التحوّل المسلكي ورقة قوة؟

دائمًا — حين يُقدَّم بثقة وبربط واضح. السوق الوظيفي المعاصر يُقدّر التنوع في المسارات أكثر مما مضى. المؤسسات تحتاج أشخاصًا يُفكّرون بأساليب مختلفة، ويجمعون خلفيات متنوعة، ويستطيعون بناء جسور بين تخصصات مختلفة.

من لديه مسار غير تقليدي لديه قصة تستحق أن تُروى — بشرط أن يتعلّم كيف يرويها.

خاتمة

السؤال “لماذا لم تعمل في اختصاصك؟” ليس اتهامًا — هو فرصة لرواية قصة مسيرتك بطريقة تُبرز ما يُميّزك. من يتقن رواية هذه القصة يُحوّل ما يبدو كثغرة في السيرة الذاتية إلى أكثر ما يُمييزها.

الكفاءة المخفية في المسارات غير التقليدية هي ما يُسمّى في علم الإدارة “T-shaped skills” — عمق في مجال واحد واتساع في عدة مجالات. من درس تخصصًا معينًا ثم عمل في مجال آخر يحمل هذا الشكل بشكل طبيعي.

والاقتصاد الرقمي الحديث يُقدّر هذا النوع من الكفاءة أكثر من التخصص الضيق. الأدوار الأكثر تأثيرًا اليوم هي أدوار الجسر — من يستطيع التحدث مع المهندسين والتحدث مع العملاء والتحدث مع الإدارة بلغة كل منهم. وهذه القدرة لا تأتي من مسار خطي — تأتي في أغلب الأحيان من مسار متعدد المراحل.

من يفهم هذا يُقدّم مساره كما هو — لا اعتذارًا ولا مبالغة، بل حقيقة يعتزّ بها.

الخلاصة العملية: من يسأله أحدهم ‘لماذا لم تعمل في اختصاصك؟’ عليه أن يتذكر أن هذا السؤال يحمل فرصة لا تهديدًا. فرصة لرواية قصة مسيرته بطريقة تُبرز ما يُميّزه لا ما يُفسّر غيابه. الإجابة القوية تبدأ من ‘اخترت’ لا من ‘اضطررت’.

أما من يُجيب باعتذار — ‘للأسف لم أعمل في اختصاصي بسبب الظروف’ — فإنه يُقدّم نفسه ضحية لا صاحب مسار. والمقابل المهني يبحث عن شخص يملك قراره، لا شخص تحكّمت فيه الظروف. الإجابة القوية تنطلق من ‘اخترت’ حتى حين لم يكن الاختيار سهلًا — لأن الاختيار تحت ضغط أقوى شهادةً على القدرة من الاختيار في الرخاء.