لكن كما يحدث دائمًا، تحولت النقاشات إلى جدل عقيم يستنزف الطاقة، لأن الجميع يتهرّب من المنطق المدني البسيط: نحن في دولة تضم تنوعًا ثقافيًا ودينيًا، فيها أغلبية وفيها أقليات، ولا يمكن بناء التعايش على أساس مزاج الأغلبية بل على أساس حقوق المواطنة المتساوية.

ولذلك أعلّق بالتسلسل على أهم المداخلات:

عادل بن عمّار: قال إن الحرّيات ليست مطلقة، وإنه في كندا توجد حدود.

نعم، لا توجد حرية مطلقة في أي بلد. لكن حدود الحرية في كندا ليست “مزاج الأغلبية”، بل ما يتصل بالعنف، وخطاب الكراهية، أو التعدي المباشر على الآخرين.

والصلاة في الجامعة أو الإفطار في الشارع لا يدخلان ضمن هذه الحدود. وما يقع في كيبيك نموذج فرنسي خاصّ، لا يعكس كندا ككل.

الخطأ هنا أنك حوّلت “الحدود” إلى مبرر لتقييد المختلف فقط.

سعيد عباسي: قال إن المجاهرة بالصلاة ليست إهانة، لكن المجاهرة بالإفطار في رمضان تستفز الأغلبية.

إذا جعلنا معيار الحقوق هو “ما الذي يستفز الأغلبية”، فلن يبقى حق لأي أقلية. الصلاة قد تستفز اللادينيين، والإفطار قد يستفز المتدينين.

الحقوق لا تُقاس بدرجة الانزعاج، بل بمبدأ ثابت: للفرد أن يمارس قناعته علنًا ما لم يعتدِ على غيره. قبول الصلاة العلنية ورفض الإفطار العلني هو ازدواجية معيار.

جمال الدلّالي: قال إن تونس بلد 99% مسلم، فلا مساواة بين الصلاة والإفطار في الأماكن العامة.

هذه أخطر حجة. إذا جعلنا العدد معيارًا، صار للأغلبية حق سحق الأقليات.

في الديموقراطيات، الحقوق بالذات وُجدت لحماية المختلف أمام ضغط الأغلبية. الدستور التونسي يعترف بالحريات الفردية وتعدّد المعتقدات.

والتعلل بـ”الأغلبية” ليس منطقًا مدنيًا، بل مدخل للاستبداد.

محمد قداحي: قال إن تونس دولة مسلمة، أما كندا فهي دولة أقلية مسلمة، وبالتالي لا مجال للمقارنة.

السياق مختلف نعم، لكن المبدأ لا يتغير: هل للفرد الحق في ممارسة قناعته كفرد أم لا؟

إذا ربطنا الحرية بالديموغرافيا، فهذا يعني أن الأقليات بلا حقوق، وهذا نفي لجوهر الدولة المدنية.

الحرية لا تتجزأ: تُحترم سواء كان المسلم أقلية في كندا أو أغلبية في تونس.

فادي: قال إن تونس لا تشنّع على المفطرين إلا إذا كانوا وقحين أو شاتمين.

هذا الكلام يناقض الواقع: هناك بالفعل تشنيع على مجرد الإفطار في الفضاء العام. الإفطار ليس وقاحة ولا سبابًا. المجتمع هو الذي يقرأه استفزازًا. والإعلام والسياسة يضخمان.

المشكلة ليست في الفعل، بل في القراءة المفروضة عليه.

عفاف: قالت إن المستفزين قلّة، لكن الإعلام يضخّم صوتهم.

وهذا يثبت أن أصل الإشكال ليس في الأفعال (صلاة، إفطار، إعلان لادينية)، بل في استغلالها إعلاميًا لإثارة التوتر. إذن الحل ليس قمع الحقوق، بل بناء ثقافة التعايش ومحاسبة الإعلام المهوّل.

أحمد النجار (عبد النبي) في صفحته الشخصية: قال إن المقارنة بين الصلاة والإفطار “قياس فاسد”، فالصلاة عبادة ضرورية، أما الإفطار فهو حاجة يمكن قضاءها في أي مكان دون استفزاز مشاعر الأغلبية.

هنا يا سي أحمد Ahmed Najar نقع في مغالطة كبرى. إذا اعتبرت الصلاة عبادة ضرورية تستوجب ممارسة علنية أحيانًا، فالإفطار أيضًا ضرورة بدنية لا يمكن أن تُؤجَّل دائمًا أو تُخفى بالكلية.

كلاهما فعل شخصي له دافع داخلي: أحدهما روحي، والآخر جسدي.

ثم إن معيار “الاستفزاز” ليس موضوعيًا: الصلاة قد يستفز بها اللاديني، والإفطار قد يستفز بها المتدين.

أما قولك “حرية الضمير تعني حرية الكفر، لكن حرية المعتقد تعني حرية الممارسة”، فهذا بالضبط ما نقول به: لا معنى لحرية المعتقد إن لم تتجسّد في ممارسة علنية في الفضاء العام.

منطقك يجعل حرية الضمير حقيقية لغير المؤمن، وحرية المعتقد وهمية للمؤمن. وهذا قلب للمعادلة لا يستقيم مع منطق الدولة المدنية.

حبيب بوعجيلة: قال بوضوح إن الحل هو أن يركّز المحافظون والديمقراطيون على الدفاع عن الديمقراطية، لا على خوض معارك هووية لا تنتهي.

وهنا أتفق معه تمامًا: الحل السياسي الحقيقي ليس في جرّ المجتمع إلى سجالات الهوية، بل في التزام الجميع بمبدأ واحد هو الدفاع عن الديمقراطية. كل فرد له الحق في أن يدافع عن هويته، لكن في إطار ديمقراطي يضمن أن تبقى القواعد مشتركة: دستور، مواثيق، قوانين.

لا معنى أن يتحول الإسلاميون أو العلمانيون إلى جيوش في معارك هووية تستهلكنا. المطلوب هو عقد مدني واحد يحتضن التنوع بدل أن يحوّله إلى ساحة حرب.

كل هذه السجالات تكشف نفس المأزق: استدعاء “حساسية الأغلبية” معيارًا للحقوق. وهذا منطق هشّ يقود إلى دوامة لا تنتهي: كل طرف يتذرع بانزعاجه ليقمع الآخر. النتيجة؟ شحن دائم، انقسام اجتماعي، وفقدان عقد مدني جامع.

الطريق الوحيد الآمن: أن نتفق جميعًا على قاعدة واحدة واضحة: أولوية المعركة المشتركة لاستعادة الديموقرطية.. ما عدا ذلك مجرد مزالق تؤبّد الجدل ولا تبني عقدًا وطنيًا متماسكًا.

نحن جميعا في قارب واحد، وهذا القارب يكاد يغرق بنا جميعًا. إذا استمرّ كل طرف في تمزيق الأشرعة وشقّ الألواح أو استجلاب الريح من ناحيته، بحجّة الدفاع عن “هويته” ضد الآخر، فلن ينجو أحد.