كما أن هناك أقلية صاخبة من المتدينين تشوّه صورة الدين بتصرفاتها الإقصائية والفوضوية، هناك أيضًا “بروفايل سلبي” عند جزء من اليسار العلماني يُشوَّه به مشروع الحرية الذي يدّعي حمله. هذا البروفايل لا يمثّل كل اليسار — هو الأقلية الأكثر ضجيجًا، الأكثر إصرارًا على تحويل النقاش حول الدين إلى ساحة تصفية حسابات أيديولوجية.
خصائص هذا البروفايل
التناقض الداخلي الصارخ: يدّعي الدفاع عن الحرية الشخصية ثم يسخر ممن يمارسون حريتهم الدينية. يرفع شعار رفض التمييز ثم يُصنّف الناس بحسب درجة تديّنهم وينظر إليهم باستعلاء.
الاستفزاز كإستراتيجية واعية: ليس النقد المبني على حجج، بل الاستفزاز المتعمّد الذي يستهدف المشاعر. النكات المبتذلة حول الصلاة والحجاب والشعائر — هدفها ليس النقاش بل الإذلال الرمزي وإخراج المتديّن من دائرة “الحضارة” المفترضة.
الازدواجية المعيارية: شديد الحساسية للخطاب المسيء تجاه أقليات بعينها يختارها، ومتساهل تمامًا مع نفس الخطاب حين يستهدف المتدينين. المعيار هنا ليس الكرامة الإنسانية بل الانتماء الأيديولوجي.
استخدام الحرية انتقائيًا: الحرية في قاموسه تعني حرية من يتشابه معه ويوافقه. من يختار ما يراه “رجعيًا” خارج دائرة استحقاق الحماية.
لماذا هذا يضرّ بمشروع الحرية الحقيقي؟
الحرية كمشروع سياسي تحتاج موثوقية أخلاقية. حين يكون “دعاة الحرية” من يستهزئون بممارسة الحرية الدينية لآخرين، يصبح الدفاع عن الحرية مجرد غطاء لتفضيل ثقافي خاص لا مبدأ إنسانيًا عامًا.
والنتيجة: كثيرون ممن تعرّضوا لهذا الخطاب لا يُصدّقون أن هذا اليسار يدافع عن حرياتهم فعلًا. يُدركون أن الحرية المقصودة هي حرية أن يُشبهوا ذلك اليسار ثقافيًا، لا حرية أن يكونوا ما يختارون.
وهذا الشعور يدفع كثيرين نحو الانعزال في الهوية الدينية الخاصة بدل المشاركة في الفضاء العام المشترك. وهذا بالضبط عكس ما يدّعي هذا الخطاب السعي إليه.
الفارق مع اليسار الديمقراطي الحقيقي
اليسار الديمقراطي الحقيقي يدافع عن حرية الجميع لا عن حرية من يتفق معه. الدفاع عن حق المتديّن في ممارسة دينه بكرامة في الفضاء العام هو جزء من نفس المبدأ الذي يدافع به عن حق الملحد في التعبير عن إلحاده.
لا تناقض بين الاثنين — هذا هو جوهر الحرية الحقيقية.
خاتمة
أي خطاب يشترط على الآخرين إخفاء هويتهم كثمن للقبول في “الفضاء التقدمي” ليس ديمقراطيًا — هو إقصاء بلغة الحرية. والتقدم الحقيقي يبدأ من قبول التنوع الحقيقي لا من قبول نسخة منتقاة ومُصفّاة منه تُشبه أصحابها.
ما لا يُقال في هذا النقاش
ما يُسكت عنه عادةً في هذه النقاشات هو السؤال المرآتي: هل يطبّق أصحاب هذا البروفايل نفس المعيار على خطابهم الخاص؟ هل يرون أن الطريقة التي يستهزئون بها بالمتديّنين تُمثّل الحرية التي يدّعون الدفاع عنها؟
الجواب الصادق هو لا — ليس لأنهم منافقون بالضرورة، بل لأن العمى عن تناقضات الذات ظاهرة إنسانية عامة. من يُنبّههم على ذلك يُؤدّي خدمة حقيقية لمشروع الحرية الذي يدّعون حمله.
الحرية الحقيقية تستلزم مراجعة دورية للذات بنفس الصرامة التي نُراجع بها الآخرين. ومن لا يستطيع ذلك يحمل شعار الحرية لكنه يُمارس ما ينقضه.
اليسار الديمقراطي الحقيقي يفهم أن الحرية لا تُبنى بطريق واحد — تُبنى حين يشعر كل شخص أن مكانه مضمون في الفضاء العام بصرف النظر عن هويته وقناعاته الشخصية. والبروفايل السلبي الذي أتحدث عنه يُهدم هذا البناء كل يوم بكل نكتة واستهزاء. المشكلة ليست في الأفراد — هي في ثقافة تُكافئ الاستفزاز وتُعاقب الاحترام المتبادل. تغيير هذه الثقافة مسؤولية من يؤمن فعلًا بالحرية، لا من يوظّفها شعارًا.