الحملات المتكررة للسخرية من ممارسة الصلاة، والتي تستهدف عموم المصلّين وخاصة الشباب المتمسك بها، ليست تعبيرًا عن فكر نقدي أو رؤية بديلة — هي مؤشر على إفلاس الحجة وضحالة الأدوات المعرفية لدى أصحابها.
ما يُخبرنا به الاستهزاء فعلًا
قرأت كثيرًا من التعليقات السطحية والنكات المبتذلة التي تستهدف المصلّين. حاولت أن أعثر فيها على فكرة قابلة للنقاش أو حجة تستحق الرد. ما وجدته في الحقيقة هو نمط معروف في تاريخ الجدل الفكري: حين تفتقر الحجج القدرة على مواجهة الفكرة أو تفكيكها بصورة جدية، يصبح الاستهزاء بديلًا سهلًا.
المستهزئ يُعلن عجزه قبل أن يُعلن موقفه. حين لا تستطيع أن تُثبت بالحجة الواضحة أن الصلاة ضارة أو أن الدين خاطئ أو أن البديل أفضل — تضحك. والضحكة تُعفيك من واجب الإثبات وتُلقي عبء التبرير على من تستهزئ به.
الفرق الجوهري بين النقد الصادق والاستهزاء
النقد الصادق للتديّن السلبي مشروع بل مطلوب في كل مجتمع صحي. حين يتحول الدين إلى أداة لإقصاء الآخرين أو تبرير الفساد أو تقييد حرية الفكر أو تحريض على العنف — النقد واجب ويجب أن يُسمَع بوضوح.
لكن هذا النقد الصادق يُبنى على حجج وشواهد محددة ويستهدف ظواهر قابلة للتعريف. ثمة فرق كبير بين “هذا الموقف الفقهي غير مبرر لهذه الأسباب المحددة” وبين نكتة تستهزئ بشخص يُصلّي في مكتبه أو يُصلّي في الحديقة. الأول نقاش فكري. الثاني هجوم على هوية شخصية.
لماذا يأتي هذا الخطاب بنتائج معكوسة؟
الشباب المتمسك بالصلاة اليوم في الغرب وفي العالم العربي على حد سواء ليس نمطًا واحدًا. كثير منه شباب يقرأ ويسأل ويُفكّر ويُمييز بين الدين الحي والموروث الجامد. تصويره بصورة المُقلِّد الجامد أو المنعزل عن الحداثة هو انعكاس للصورة النمطية الجاهزة لا للواقع المتنوع.
والسخرية منه لا تُنتج نقاشًا مفيدًا — تُخبره فقط أن المساحة العامة التي يدّعي أصحاب هذا الخطاب الدفاع عنها لا تُريده كما هو. فيعود إلى مجتمعاته الخاصة، ويزداد تمسّكًا بهويته دفاعيًا ردًّا على الاستهزاء. وهذا بالضبط عكس ما يُفترض أن يُنتجه أي خطاب ديمقراطي حقيقي.
الاستهزاء لا يُغيّر قناعة — يُعزّزها.
الازدواجية التي لا يمكن إخفاؤها
ما يلفت الانتباه في أصحاب هذا الخطاب هو الازدواجية الصارخة: شديد الحساسية للخطاب المسيء تجاه بعض الفئات ومتساهل تمامًا مع نفس الخطاب حين يستهدف المتدينين. المعيار هنا ليس الكرامة الإنسانية المبدئية — بل الانتماء الأيديولوجي.
وهذه الازدواجية تكشف أن الاهتمام ليس بمبدأ “لا للاستهزاء بالناس بسبب هويتهم” بل بـ”لا للاستهزاء بمن نُؤيّد بينما يجوز الاستهزاء بمن نُعارض.”
ما ينبغي بدلًا من ذلك
من يريد حوارًا حقيقيًا حول الدين والمجال العام والحداثة والحرية عليه أن يتعلم الجلوس مع المختلف باحترام لا باستعلاء. أن يُفرّق بين المتديّن كإنسان وبين بعض تيارات التديّن التي قد يختلف معها. أن يسأل قبل أن يُعلّق.
الحوار الجاد يتطلب الاستعداد لأن تُفاجأ — أن تكتشف أن الشخص في مواجهتك أكثر تعقيدًا من الصورة التي حملتها عنه.
خاتمة
الاستهزاء بالمصلّين ليس شجاعة فكرية — هو ضعف متنكّر في ثوب الجرأة. والمجتمعات التي تتجاوز هذا الهروب وتُبني حوارًا حقيقيًا حول الدين والمجال العام تُنتج مواطنة أكثر نضجًا وتماسكًا. الحوار الحقيقي يبدأ من احترام الآخر كإنسان كامل له قناعاته وهويته، لا من الضحكة التي تُعفي صاحبها من عناء الفهم.
والمجتمعات الأكثر نجاحًا في إدارة التعددية الدينية لم تبنِ استقرارها على إسكات الأصوات الدينية بل على قواعد احترام مشتركة تُتيح لكل صوت أن يُعبّر عن نفسه ضمن حدود لا تُؤذي الآخرين.