في كتاب “مهندسو الفوضى” (Les ingénieurs du chaos)، يحاول الكاتب الإيطالي-السويسري جوليانو دا إمبولي أن يكشف كيف أصبحت الشعبوية الحديثة مشروعًا منظَّمًا تُديره عقول استراتيجية، وليست مجرد موجة عفوية من الغضب الشعبي.

من هو دا إمبولي؟

جوليانو دا إمبولي باحث وكاتب ومستشار سياسي يدرّس في معهد العلوم السياسية في باريس (Sciences Po)، وهو مؤسس مركز تفكير سياسي في فلورنسا. كتابه يستند إلى مقابلات مع مستشاري الحركات الشعبوية في إيطاليا وفرنسا والمجر والبرازيل وأمريكا.

الفكرة المحورية: من المهندسون؟

ما يكشفه الكتاب هو أن وراء كل حركة شعبوية كبيرة شخصًا أو فريقًا صغيرًا من الاستراتيجيين الذين يفهمون النفسية الجماهيرية ويعرفون كيف يُحوّلون الغضب المتراكم إلى تصويت وتعبئة. هؤلاء ليسوا ساذجين ولا متحمسين — هم براغماتيون باردون يستخدمون الغضب الشعبي أداةً لأهداف محددة.

الشعبويون لا يخلقون الغضب من العدم — يوجدون حيث الغضب حقيقي، يُنظّمونه ويُعطونه وجهًا وخصمًا وسردية.

الآليات الأساسية للشعبوية المُصنَّعة

أولًا: بناء “العدو” الواضح كل مشروع شعبوي يحتاج خصمًا يُوحّد الغضب: النخبة، المهاجرون، الإعلام المتحيّز، المؤسسة الفاسدة. العدو يُبسّط الواقع المعقّد ويُتيح التعبئة السريعة. ومن لديه عدو واضح لا يحتاج برنامجًا واضحًا.

ثانيًا: توظيف الفوضى لا الحل الفوضى والأزمات ليست عائقًا أمام الشعبويين بل فرصة. كلما ساد عدم الاستقرار وتعقّدت المشاكل زاد الطلب على “المنقذ القوي” الذي يبسّط ما عجزت عنه “النخب الفاشلة.”

ثالثًا: التناقض كأداة لا خلل الشعبويون لا يخافون التناقض الداخلي في مواقفهم — بل يوظّفونه أحيانًا. التناقض يُبقيهم في دائرة الجدل، والجدل يعني الحضور الدائم في الفضاء العام.

رابعًا: الانفعال فوق الحجة الشعبوية لا تُخاطب العقل التحليلي — تُخاطب المشاعر الانتمائية. الخوف والإهانة والكبرياء الجريح والحنين — هذه هي المداخل، لا الأرقام والبيانات.

ما يعنيه هذا لنا

فهم الشعبوية كمشروع منظَّم لا كظاهرة عفوية يُغيّر طريقة مواجهتها. الإدانة الأخلاقية وحدها لا تكفي — الإدانة قد تُكرّس الشعبوية وتُقدّمها كصوت “الشعب المظلوم” في مواجهة “النخبة المتعالية.”

المواجهة الناجعة تستلزم: فهم مصادر الغضب الحقيقية وتقديم حلول حقيقية لها، وكشف الهندسة الاستراتيجية التي تستخدم هذا الغضب أداةً، وبناء خطاب يُخاطب الجمهور بصدق لا بالوعود المستحيلة.

خاتمة

“مهندسو الفوضى” كتاب يُفيد كل من يريد فهم ما يجري في السياسة المعاصرة سواء في الغرب أو في العالم العربي. لأن الشعبوية ليست ظاهرة غربية — هي استراتيجية تنجح في كل مكان يوجد فيه غضب حقيقي وغياب لبدائل مقنعة.

التطبيق على السياق العربي

ما يصفه دا إمبولي في السياقات الغربية ينطبق بدرجات متفاوتة على السياق العربي. الشعبوية في تونس وغيرها تعمل بنفس الآليات: عدو واضح (الفساد أو “الإسلاميون” أو “العلمانيون”)، وخطاب يستهدف المشاعر لا العقل، واستخدام الأزمات فرصًا لا عقبات.

والاستجابة لها بالإدانة الأخلاقية وحدها — “هؤلاء شعبويون وكفى” — تُكرّس الاستقطاب ولا تحلّه. المواجهة الفعّالة تستلزم فهم مصادر الغضب الحقيقية التي تُغذّي الشعبوية، ومعالجتها بحلول ملموسة، وبناء خطاب يُخاطب الناس بصدق لا بوعود مستحيلة.

الكتاب يستحق القراءة لا لأنه يُقدّم وصفة علاج — بل لأنه يُفهمك العدو قبل أن تواجهه.