الليلة كنت مدعوًّا في العشاء السنوي لجمعية النساء المسلمات بأوتاوا — تظاهرة راسخة منذ خمسة وعشرين سنة تجمع القيادات المسلمة في العاصمة الكندية ورجال الدين من الكنائس المختلفة وضيوفًا من المفكرين والسياسيين ومنظمات المجتمع المدني.

لكن هذه السنة كان ضيف الشرف استثنائيًا بكل المقاييس: الحاخام اليهودي دافيد ميفاسار (David Mivasair)، أحد مؤسسي منظمة “أصوات يهودية مستقلة” (Independent Jewish Voices) في كندا.

ما قاله الحاخام

في بداية كلمته، حكى لنا شيئًا صادمًا وبسيطًا في آن: قال إنه حين قرّر الجهر بمعارضته لسياسات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، تعرّض لضغوط شديدة من داخل مجتمعه اليهودي الكندي.

بعض الحاخامات الآخرين رفضوا التحدث معه. بعض العائلات في تجمّعه الديني قاطعته. المؤسسة الرسمية اليهودية في كندا صنّفته خارج الإجماع وأسقطت عنه أحقية تمثيل “الصوت اليهودي.” وامتدّ الضغط أحيانًا إلى الأوساط المهنية.

ومع ذلك استمر.

لماذا هذا غير اعتيادي؟

الإنسان الذي يدفع ثمنًا حقيقيًا لمواقفه داخل مجتمعه يختلف اختلافًا جذريًا عمّن يُعلن مواقفه دون ثمن. الأول شاهد. الثاني خطيب.

الحاخام ميفاسار لم يأتِ ليقول “أنا صديق المسلمين” أو “أتضامن مع الفلسطينيين” — جاء ليقول “أنا يهودي يؤمن بأن الصمت أمام الظلم خيانة لقيمي الدينية والأخلاقية التي تعلّمتها من تراثي هو.”

هذا التمييز مهم جدًا: الدعم الحقيقي لا يأتي من “تغيير الانتماء” بل من الإخلاص الحقيقي له. الحاخام لم يتبرأ من يهوديته ليقف مع الفلسطينيين — وقف بها ومنها.

الدرس في الحوار بين الأديان

كثير من لقاءات الحوار الديني هي تبادل مجاملات بين ممثلين رسميين يُحسنون الحديث عن السلام والتسامح دون أن يدفعوا أي ثمن لهذه القيم. الكلمات جميلة والمصافحات متكررة والصور ناجحة ولكن الواقع لا يتغير.

ما رأيته في هذا العشاء شيء مختلف: إنسان يشهد بجسده ومسيرته لا بكلامه فقط. هذا النوع من الشهادة أكثر فاعلية من ألف مؤتمر حوار رسمي.

الشهادة الأخلاقية وثمنها

الشهادة الأخلاقية الحقيقية تكلّف. من لا يدفع ثمنًا لا يشهد — يُلقي خطابًا. والفرق بينهما ليس فقط في الأثر الخارجي بل في المصداقية التي يُكسبها الموقف.

في مشهد يسود فيه الاستقطاب وتتحوّل فيه كل قضية إلى هوية، الإنسان الذي يتجاوز هويته الجماعية ليقف مع مبدأ أعلى — ويدفع ثمن ذلك من رصيده الاجتماعي والمهني — يُذكّر بأن الضمير الفردي أكبر من أي انتماء جماعي.

خاتمة

في أمسية العشاء، كان الحاخام ميفاسار يجلس وسط مئات من المسلمين والمسلمات الكنديين. الغرابة الظاهرة في المشهد كانت في حقيقتها طبيعية تمامًا: إنسان يتصرف وفق قيمه بغض النظر عمّن يقف إلى جانبه أو ضده. هذا ليس استثناءً يستحق الإعجاب — هذا ما ينبغي أن يكون المعيار.

ما تعلّمته من هذه الأمسية

جلست تلك الليلة بجانب الحاخام ميفاسار بعد كلمته وتحدثنا. رجل في السبعينيات يعرف أن أغلب معاصريه اليهود يرفضون مواقفه. يعرف الثمن. ولم يندم.

قال لي بكل بساطة: “لا أستطيع أن أُصلّي وأدّعي الإيمان بالعدل إن لم أقف مع العدل حين يكلّف.”

هذه الجملة وحدها كافية لتلخيص درس الشهادة الأخلاقية. الإيمان الذي لا يكلّف شيئًا ليس إيمانًا — هو تفضيل ثقافي مريح. والإيمان الحقيقي يُثبَت في نقاط الاحتكاك حيث الثمن حقيقي.

هذا ينطبق على كل صاحب قناعة، دينية كانت أم سياسية أم إنسانية: الموقف الذي لا يُحرجك أمام أحد لا يحتاج شجاعة. الموقف الذي يُكلّفك اجتماعيًا ومهنيًا — هذا هو الاختبار الحقيقي.

ملاحظة ختامية

الحوار الديني الحقيقي لا يعني الاتفاق على كل شيء — يعني الاحترام المتبادل والاستعداد للتعلم من الآخر حتى حين يبقى الخلاف في جوهره. وأمسية النساء المسلمات في أوتاوا كانت نموذجًا لهذا النوع من الحوار.