يبدو التضليل الرقمي في ظاهره فوضويًا، كأنه نتيجة الصدفة أو كثرة الآراء، لكن الواقع أعمق من ذلك بكثير. فهو يقوم على “هندسة متعمدة للضجيج”، هدفها الأساسي ليس أن تُقنعك بشيءٍ محدد، بل أن تمنعك من الاقتناع بأي شيء.

هي عملية منظمة لإنتاج الالتباس: أن ترى الحقيقة والزيف متجاورين إلى حدٍّ يفقد معه العقل حسّه بالتمييز.

وفي التجارب العربية عمومًا، والتونسية خصوصًا، يمكن رصد خمس تكتيكات مترابطة تعمل معًا في تشكيل هذا الضباب الإدراكي. هي لا تتناوب بل تتشابك، تشبه خيوط الدخان التي لا يمكن فصلها عن بعضها دون أن تفقد شكلها الكلّي.

أولاً: تشتيت الانتباه

حين تندلع أزمة حقيقية — سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية — لا تُقابلها السلطة ولا الماكينة الاتصالية ببيانٍ رسمي فحسب، بل تطلق في الفضاء العام قصصًا جانبية، فضائح صغيرة، تصريحات غامضة، تسريبات بلا سياق، أو حتى نقاشات مفتعلة حول قضايا أخلاقية أو هوياتية.

الغاية ليست الإقناع، بل تحويل وجهة الغضب.

بدل أن يسأل المواطن “من المسؤول؟”، ينشغل بالسؤال الثانوي “هل تصدّق ما قيل؟”، وبدل أن يتحوّل الضغط الاجتماعي إلى مساءلة سياسية، يتبدّد في جدالاتٍ عقيمة على وسائل التواصل. في غضون أيام، تتغير نبرة النقاش، يتحوّل الغضب الشعبي إلى فضولٍ سطحي، وتصبح الأزمة الأساسية مجرّد حدثٍ قديمٍ في أرشيف المنصّة.

إنها سياسة “الإلهاء عبر التضخيم”، تُبقي المجتمع مشغولًا بما لا يهدّد البنية الحقيقية للسلطة.

ثانيًا: التضخيم الانتقائي

المنصّات الرقمية تقوم على منطق التفاعل. كلما زاد التفاعل، زادت الأرباح، وكلما زادت الأرباح، زادت قابلية المنصّة لتكافئ ما يُثير الانفعال أكثر مما يُنير العقل.

وهنا يظهر التضليل في شكله الأكثر احترافًا: الجيوش الإلكترونية التي تُضخّم قضايا هامشية حتى تبدو كأنها الشاغل المركزي للرأي العام. تُغرق الصفحات بنفس الوسم، تُرفع شعارات “الترند”، ويُعاد تدوير القصص مئات المرات في اليوم الواحد، إلى أن يظن المستخدم أن هناك “إجماعًا افتراضيًا”.

لكنّ هذا الإجماع ليس سوى صناعةٍ خوارزمية متقنة، يُنتجها التكرار والعدد لا الحقيقة والمنطق.

وفي السياق التونسي، رأينا مرارًا كيف تُرفع قضية ثانوية إلى مرتبة “الحدث الوطني”، بينما تُهمّش قضايا جوهرية كالبطالة أو الفساد أو تدهور الخدمات. هكذا يتحول الانفعال الجماعي إلى طاقة موجهة، تُفرّغ الغضب من محتواه السياسي، وتُعيد توجيهه نحو أهدافٍ آمنة لا تمسّ جوهر السلطة.

ثالثًا: إضعاف المصدر

في عالم التضليل الحديث، لم يعد تكذيب المعلومة مجديًا، لأنّ التكذيب يمنحها مزيدًا من الانتشار. لذلك ظهرت تقنية أكثر دقّة وفعالية: ضرب المصداقية.

فبدلًا من الردّ على المحتوى، يُهاجَم صاحبُه. الصحفي يُتَّهم بأنه مأجور، الخبير يُقدَّم على أنه “محسوب على جهة”، والشاهد يُختزل في نيةٍ شخصية: “باحث عن الشهرة” أو “يريد الانتقام”.

ومتى ما زُرعت هذه البذرة في ذهن الجمهور، لا يعود للمعلومة أي وزن، مهما كانت موثقة. يكفي أن تُرمى الشبهة حتى تنهار الثقة، ويتحول الحوار إلى معركة ظنون وشخصنة واتهامات.

إنها ضربة واحدة في أصل المصدر، تجعل كل ما يخرج منه لاحقًا مشكوكًا فيه مسبقًا. وهكذا يختفي الفارق بين الصحفي الملتزم والدعائي المتلاعب، لأنّ الجمهور نفسه لم يعد يثق بأحد.

رابعًا: الخلط بين الجدّ والهزل

اختفى الحدّ الفاصل بين الخبر والنكتة، بين التقرير والتحليل، بين الجدّ والتهكم. برامج الترفيه السياسي، و“الميمات” الساخرة، والمقاطع القصيرة على المنصّات، أصبحت اليوم من أهم مصادر تكوين الرأي العام. الخبر يُستقبل بروح الدعابة، والسخرية تحلّ محلّ التحليل، حتى صارت النكتة هي الوسيط الجديد للفكرة السياسية.

قد تبدو هذه الظاهرة صحية في ظاهرها — باعتبارها نوعًا من المقاومة الرمزية — لكنها على المدى الطويل تؤدي إلى “بلادة معرفية” خطيرة. حين يسخر الجميع من كل شيء، لا يعود أحد يثق في أي شيء.

السخرية تتحول من أداةٍ نقدية إلى آليةٍ دفاعية للهروب من مواجهة الواقع، ومن تعبير عن الرفض إلى وسيلةٍ لترويض الوعي على اللامبالاة.

وهكذا يُنتج التضليل جيلًا من المواطنين المرهَقين ذهنيًا، الذين يضحكون على السلطة دون أن يجرؤوا على مساءلتها.

خامسًا: التكرار الزمني

أخطر أنواع التضليل هو التكرار، لأنّ الذاكرة الجمعية لا تُخزّن الأحداث كما هي، بل الإحساس الذي رافقها. المعلومة الكاذبة، إذا تكررت بشكلٍ دوري، تتحول بمرور الوقت إلى حقيقة مألوفة، لا لأنّ أحدًا برهنها، بل لأنّ الناس اعتادوا سماعها. في اللاوعي الجمعي، ما يتكرر يصبح مألوفًا، وما هو مألوف يبدو صادقًا. وبذلك يُبنى وعيٌ زائف لكنه مستقرّ، يُشكّل جزءًا من الذاكرة السياسية والاجتماعية للأمة.

في تونس، كما في غيرها، يمكن تتبع هذا النمط بسهولة: شعارات وعبارات تكررت عبر السنوات — “الاستقرار قبل الحرية”، “الإصلاح مؤلم لكنه ضروري”، “هيبة الدولة فوق كل اعتبار” — حتى أصبحت بدائل معرفية جاهزة تحل محل التحليل أو التساؤل. هذا التكرار ليس صدفة، بل إستراتيجية. إنه تحويل الأكاذيب الصغيرة إلى حقائقٍ كبرى، مجردًا من الحاجة إلى برهان، ومسنودًا فقط بقوة العادة.

هكذا تُبنى صناعة الضباب: ليست مؤامرة في الغرف المغلقة، بقدر ما هي نظام يومي لإدارة الانتباه.

كل تقنية من هذه الخمس تُغذي الأخرى، وكلها تشتغل ضمن منطق واحد: أن تُبقي العقل مشغولًا، مترددًا، غير واثق، يتفاعل أكثر مما يُفكّر، ويعيش في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات كلما قلّ وضوح الحقيقة.