في دردشة ودّية مع بعض الأصدقاء، أشاروا إليّ إلى انطباعٍ متداولٍ في بعض الأوساط، عنّي، مفاده أنني “متشيّع” أو “أميل للفكر الشيعي”.

أتوقف هنا عند هذا الانطباع، لا للدفاع ولا للجدال، بل لفهم جذوره وتحليل خلفياته، ثم بيان موقفي بوضوح.

أولًا: من أين يأتي هذا الانطباع؟

أحسب أن سببه الأساسي هو طبيعة الكتابة الفايسبوكية نفسها: فالمنشورات تُقرأ مجزّأة ومبتسرة، والقراءة على فيسبوك عادةً متقطّعة وغير منهجية، لا تتيح رؤية تماسك المواقف أو منطقها الداخلي عبر الزمن.

ولهذا يسهل أن يُقتطع رأي أو جملة فيُحمَّل ما لم يُقصد.

ثمّ لأنني أدافع دائمًا عن حقّ المختلفين في الوجود والاختلاف (يسار يمين، مؤمنين، غير مؤمنين، سلفية، صوفية، سنة، شيعة…)، وخصوصًا الشيعة (في سياق هذا التوضيح) حين يُظلمون أو يُشيطنون، يظنّ بعض القراء أنّي أتبنّى فكرهم أو أنحاز لمذهبهم، بينما أنا أنحاز للعدل والإنصاف لا للانتماء.

والكثير يربط مفاهيم مثل “العدل” و“الإحسان” و“الوحي والتأويل” بمدارس فكرية معيّنة، وينسى أنها قرآنية قبل أن تكون مذهبية.

ثانيًا: موقفي الفكري بوضوح

مرجعيتي سنّيّةٌ علميّةٌ وتربوية، وأعتبر نفسي منتميا للدائرة السنّية، اختيارًا وقناعةً، وليس من باب الموروث الثقافي والاجتماعي. هذا توصيف حقيقي.

أمّا التكليف الذي ألتزم به من هذا المنطلق، فهو منهج الإنصاف: ألزم نفسي به مع الموافق والمخالف معًا.

ولست “قرآنيًّا” بالمعنى الذي يُنكر الحديث النبوي، بل أؤمن أن السنّة النبوية تطبيق عملي للقرآن وبيانٌ له، تُفهم ضمن مقاصده الكلية لا بمعزلٍ عنها.

القرآن بالنسبة إلي، هو الأصل والميزان، والحديث شرحٌ وهداية، لا سلطةٌ موازية أو نقيضة.

ثالثًا: قراءتي للفكر الشيعي

أقرأ الفكر الشيعي قراءةً نقديةً منصفة.

أرى أن تأويل آية التطهير وحديث الكساء على نحوٍ يُنتج “العصمة الوراثية” لا يستقيم منطقيًا ولا تأويليًا؛ وهذا تقريرٌ منهجيّ ضمن قواعد القراءة والنقد، لا “أوراق اعتماد” لهويةٍ ما، ولا إرضاء لطرف ما.

ومع ذلك، لا يبرّر هذا نزع صفة الإسلام عنهم ولا التحريض عليهم. وفي المقابل أرفض التجاوزات التي تصدر من بعضهم في حقّ الصحابة أو أمهات المؤمنين.

كتبت عدة مرات:

  • الدفاع عن الصحابة لا يكون بالتحريض على مسلمين آخرين،

  • والدفاع عن حرية المذهب لا يكون بالإساءة إلى الرموز.

  • العدل هو أن نقول للمحقّ: أصبت، وللمخطئ: أخطأت، أيًّا كان انتماؤه.

رابعًا: الخلفية النفسية والتربوية لظاهرة الاتهام

من يطلق تهمة “التشيّع” أو غيرها لا يفعل ذلك دائمًا عن سوء نية، بل لأنّ كثيرين نشؤوا في بيئةٍ تربط الانتماء بالطاعة، والنقد بالخيانة، والإنصاف بالميل.

هي عقلية الولاء والبراء المبسّطة التي لم تتربَّ على التمييز بين الفكر والهوية.

تلك التربية لم تُنمِّ فينا مهارة الإنصاف ولا أدب الاختلاف، بل جعلتنا نرى الرأي المختلف كتهديدٍ لا كإثراء.

خامسًا: من الفايسبوك إلى الكتاب

أُدرك أن الكتابة الفايسبوكية لا تسمح بعرض الأفكار في سياقها الكامل، ولا بتفصيل المناهج وضبط المفاهيم، لذلك آثرت أن أقدّم رؤيتي في كتابين سيَريان النور قريبًا:

“أزمة المنطلقات والأولويات في تونس”: خريطة طريق عملية لإعادة ترتيب الأولويات السياسية، من زاوية التفكير في المنطلق لا في الأشخاص.

”بين الوحي والتأويل: العدل والإحسان في تفكيك الطائفية”: نظرية عملية لخفض التوتر المذهبي في المجال العام، تستند إلى رؤية قرآنية نقدية عادلة، لا إلى اصطفاف مذهبي.

فالكتابة المطوّلة والمنهجية وحدها تتيح رؤية تماسك الفكرة وتعدّد مستوياتها، عكس القراءة السريعة المبتسرة التي تحكم على النوايا بدل أن تحاور الأفكار.

سادسًا: دعوة إلى القارئ الصادق

أدعو الأصدقاء والقرّاء إلى تجنّب الكسل الفكري والتسرّع في إصدار الأحكام.

ليس من العدل أن نحاكم إنسانًا أو فكرًا من جملةٍ عابرة أو منشورٍ واحد.

التمهّل في الفهم جزءٌ من المطلوب دينيًا قبل أن يكون مطلوبًا سياسيًا أو اجتماعيًا.

والوعي لا يُبنى بالانفعال، والإنصاف لا يُمارس بالانتماء.

من أراد أن يختلف فليختلف ببرهانٍ، ومن أراد أن يحاكم فليقرأ أوّلًا.

أعود لأقول: أنا مسلمٌ سُنّيّ المرجعية، منهجيّ الاختيار، أزن الأقوال بميزانٍ واحد على الجميع.

وسأدافع دائما عن حقّ المختلف حين يُظلَم، كما أدافع عن ثوابت الاحترام والرموز حين تُنتهك.

والعدل لا مذهب له. وكذلك، الإنصاف ليس تهمة.