بينما نعجز في تونس وكثير من الدول العربية عن صياغة خطاب سياسي مقنع وملهم في مواجهة الانقسامات والخطابات الشعبوية، يجري في نيويورك مشهد غريب يشبه ما نعيشه في بعض وجوهه — لكنه يُظهر أيضًا أن المقاومة الصادقة ممكنة حتى في أصعب البيئات.
من هو زهران مامداني؟
زهران مامداني شاب في الرابعة والثلاثين من عمره، نائب تقدّمي في الجمعية التشريعية لولاية نيويورك عن الحزب الديمقراطي. أصوله هندية-أوغندية، مسلم، ويساري الفكر. قرّر الترشح لانتخابات عمدة أكبر مدينة في الولايات المتحدة.
منذ اللحظة التي أعلن فيها ترشحه، انطلقت ضده حرب مفتوحة من جبهات متعددة: الإعلام الرئيسي يُضخّم كل تصريح له ليبدو أكثر تطرفًا مما هو، اللوبي المالي والمؤسسي يموّل حملات منظّمة ضده، الاتهامات بمعاداة السامية تتراكم بسبب مواقفه الصريحة من الحرب على غزة، والمؤسسة الداخلية للحزب الديمقراطي تُؤثر مرشحًا أكثر “أمانًا” وأقل استقلالية.
ومع كل هذا، واصل.
آلية الإقصاء المؤسسي
ما يجري مع مامداني نموذج دقيق لآلية إقصاء منهجية تتكرر في كل سياق يظهر فيه صوت غير تقليدي لا يقبل الانضباط المؤسسي:
أولًا: التشويه الإعلامي** — ليس الكذب الصريح بل الانتقاء. أخذ جملة من سياقها، ومنح مساحة لخصومه للتعليق دون مساواة، وتضخيم الأخطاء الصغيرة وتجاهل الإنجازات الكبيرة. الهدف أن يُصبح الجدل حول شخصيته لا حول برنامجه.
ثانيًا: سلاح معاداة السامية** — أداة تُستخدم انتقائيًا لإسكات كل منتقد لسياسات الاحتلال بصرف النظر عن مضمون النقد. الاتهام يسبق البرهان ويُطلب من المتهَم إثبات براءته لا من المتّهِم إثبات جريمته.
ثالثًا: الضغط الحزبي الداخلي** — المؤسسة الحزبية تحتاج مرشحين يمكن التنبؤ بهم وضبطهم. من يطرح أسئلة حقيقية ويرفض الخطوط الحمراء غير المعلنة يُزعزع التوازنات الداخلية ويُهدد الشبكات القائمة.
ما الذي يميّز نهج مامداني؟
ما يلفت الانتباه حقًا هو رفضه للعب بقواعد المؤسسة. لم يتراجع عن مواقفه، ولم يُبرّر، ولم يعتذر بالصيغ المعتادة التي تُرضي المؤسسة وتُشير إلى الاستعداد للانضباط.
بدلًا من ذلك، واصل التركيز على القضايا اليومية الملموسة التي تمسّ حياة نيويورك: أزمة الإسكان وارتفاع الإيجارات إلى مستويات لا يتحملها العمال، وأجور العمال والحد الأدنى، والصحة العامة والتعليم. بناء قاعدة شعبية على حاجات حقيقية لا على صورة ميديا مصطنعة.
هذا التوازن — وضوح في القضايا الكبرى المتنازَع عليها دون تراجع، وتركيز على ما يمسّ يوميات الناس — هو ما أعطى حملته قدرة على الاستمرار رغم الضغط الهائل.
الدرس للسياق التونسي والعربي
ما يكشفه مشهد مامداني ليس فقط أن المقاومة ممكنة. يكشف أن منطق الإقصاء واحد في كل مكان وإن اختلفت الأسماء والأدوات. في تونس كما في نيويورك، الفضاء السياسي يواجه تحديًا مشابهًا: كيف تبقى صادقًا في السياسة حين الثمن الاجتماعي والمؤسسي للصدق مرتفع؟
السياسي الذي يظن أن الحل في “تليين الخطاب” وتجنّب الاتهامات يُخطئ في تشخيص ما يواجهه. الاتهامات لن تتوقف بالتراجع — بل التراجع يؤكد فاعليتها ويُشجّع المزيد. ما يوقفها هو الوضوح والاستمرار والارتباط بقاعدة شعبية تفهم ما تُقدَّم له ولا تنجرف بالضجيج الإعلامي.
الحضور الصادق استراتيجية لا مجرد مبدأ
مامداني لم ينتظر أن تهدأ حرب التشويه ليترشّح أو يتكلم. قرّر أن الحضور الصادق أقوى من الغياب الحذر على المدى الطويل. وهذا ليس مجرد موقف أخلاقي — هو حساب استراتيجي: الغياب يترك الساحة لمن يصوغ الصورة، والصورة التي تُصاغ في غيابك دائمًا أسوأ مما تختاره لنفسك.
خاتمة
درس مامداني بسيط في صياغته وعميق في دلالته: الديمقراطية الحقيقية أوسع مما تدّعي المؤسسة أنها تحتمل. من يجرّب يكتشف أن الجمهور قادر على التمييز بين الصوت الأصيل وصوت المؤسسة المدوزَن — وأن كثيرين يُفضّلون الأول حين يجدونه.