قال أمين محفوظ، أستاذ القانون الدستوري التونسي: “ماذا بيننا، ربّي يبعد على السياسة.” الجملة تُقدَّم في ظاهرها دعوةً إلى التسامح — خطابٌ وطني جامع بعيد عن التوظيف الديني.

لكن حين تتأمل ما قيل فعلًا، تجد أمرًا مختلفًا تمامًا.

الاستئصال السماوي

من يدعو إلى “إبعاد الله عن السياسة” لا يدعو إلى الحياد — يدعو إلى سياسة بلا ضمير مرجعي أعلى. وهذا استئصال، لكنه من نوع مختلف عن الاستئصال الذي يُدان عادةً.

الاستئصال الأرضي يقصي أشخاصًا ومجموعات من المشاركة السياسية. الاستئصال السماوي يقصي المرجعية التي يحمل خصومه انتماءهم إليها — الله نفسه — من الفضاء العام المشترك. وهذا في حقيقته أشدّ إقصاءً لأنه لا يقول “لا مكان لك” بل يقول “لا مكان لما تحمل في داخلك وتعيش به.”

المفارقة الجوهرية في الطلب

الأستاذ يعرف جيدًا أن خصومه السياسيين — الإسلاميين وغيرهم ممن يرون الدين جزءًا لا ينفصل عن هويتهم الحضارية — لا يستطيعون “إبعاد الله عن السياسة” لأن بناءهم الفكري والأخلاقي الكامل يرفض هذا الفصل.

فطلب “إبعاد الله” هو في الواقع طلب منهم أن يتنازلوا عن هويتهم كشرط مسبق للمشاركة الفضاء العام. والتنازل عن الهوية ليس حوارًا — هو استسلام يُطلَب من طرف دون الآخر. المطالِب بهذا الإبعاد لا يُقدّم نفسه كما هو بل يُقدّم نفسه كـ”حياد” — وهذا الادعاء بالحياد هو نفسه موقف أيديولوجي.

الدولة المدنية والمجتمع التعددي: التمييز الضروري

ثمة فرق جوهري يجب الوقوف عنده بين نموذجين:

النموذج الأول هو الدولة المدنية الحقيقية: تضمن تعددية المرجعيات وتحكم بالقانون للجميع — المسلم والعلماني والمسيحي والملحد — دون أن تشترط على أحد إخفاء هويته. الدولة محايدة في مؤسساتها وتشريعاتها، لكنها لا تُقصي أحدًا من الفضاء العام بسبب مرجعيته.

النموذج الثاني هو دولة تشترط على المواطن إقصاء مرجعيته الدينية من وعيه العام كثمن للمواطنة الكاملة. وهذا ظلم مُقنَّع بلغة التسامح والحداثة.

الأول ممكن وضروري، والثاني لا يختلف في جوهره عن أي إقصاء آخر.

ما تعلّمه التجربة الغربية الناجحة

المثير أن النماذج الغربية الأكثر نجاحًا في إدارة التعددية — كندا وهولندا والسويد في لحظات تاريخية بعينها — لم تبنِ استقرارها على إقصاء الدين من الفضاء العام. بنته على تنظيم العلاقة بين المرجعيات المختلفة بقواعد قانونية واضحة تصون الجميع وتمنع أي مرجعية من فرض نفسها على الآخرين بالقوة.

الدين حاضر في المجال العام الكندي — في الخطابات السياسية وفي المنظمات المدنية وفي نقاشات السياسات العامة — لكنه ليس مُقصًى ولا مهيمنًا. وهذا هو التوازن الصعب الذي يستلزم حوارًا حقيقيًا لا إقصاءً يتنكّر في ثوب الحياد.

الخلط بين الدولة والمجتمع

ما يغيب أحيانًا في هذه النقاشات هو التمييز الجوهري بين الدولة كمؤسسة والمجتمع كفضاء. الدولة ينبغي أن تكون محايدة مؤسسيًا — قوانينها لا تُميّز بين مواطن وآخر بسبب انتمائه الديني. لكن المجتمع — الفضاء الذي يتفاعل فيه البشر ويتبادلون الأفكار ويبنون السياسات — ليس مطلوبًا منه أن يكون خاليًا من المرجعيات.

الأب الذي تُشكّل قيمه الدينية تربيته يمارس حريته. والسياسي الذي يستحضر مرجعيته الأخلاقية الدينية في خطابه يمارس حرية التعبير. والصحفي الذي يكتب من منطلق قناعاته الدينية يمارس مهنته. لا أحد من هؤلاء يخرق مدنية الدولة — كلهم يُمارسون حضورهم الطبيعي في المجتمع.

حين تُستخدم المدنية سلاحًا انتقائيًا

المشكلة الحقيقية ليست في مبدأ الدولة المدنية — المشكلة في توظيفه انتقائيًا. من يستحضر المدنية ليقصي مرجعية خصمه بينما يُبقي على مرجعيته الخاصة المُقنَّعة — مرجعية الفردانية الليبرالية أو العلمانية الأيديولوجية — يُمارس ازدواجية معيارية واضحة.

الليبرالية ليست حيادًا — هي موقف فلسفي من الإنسان والمجتمع. والعلمانية الأيديولوجية ليست حيادًا — هي رؤية عن دور الدين في الحياة. فحين يُطالَب المتديّن بإقصاء مرجعيته من الفضاء العام بينما تبقى المرجعيات الأخرى حاضرة، المعيار ليس المدنية — هو الغلبة الثقافية.

خاتمة

حين تُوضَع معادلة “الله خارج السياسة”، السؤال الذي يجب طرحه هو: من يستفيد؟ الجواب في أغلب الأحيان: من يملك أدوات السياسة ومفاتيح الخطاب العام بدون حاجة إلى مرجعية ضمير أعلى يُحاسَب أمامها. المدنية مبدأ جيد وضروري — لكنها تنقلب ضد مبدأها حين تُوظَّف أداةً للإقصاء بدل أن تكون إطارًا للإشراك.