في صيف 2013، وقبل أسابيع قليلة من قراري بالاستقالة من حركة النهضة، كتبت هذا المنشور ردّا على اتهامات بالتحيز والتضليل. كان بعض من تجادلت معهم يرون أن انتمائي للحركة يُلغي أي مصداقية لما أكتبه. وكان آخرون داخل الحركة يرون أن اختلافي مع بعض مواقفها خروج عن الصف.
الموقفان غير صحيحين عندي. وكتابة هذه الأسطر كانت محاولة لتحديد ما أُقرّ به وما أرفضه.
ما أُقرّ به
لست محايدا، وأُقرّ بذلك صراحة.
أنا عضو منتسب بوضوح إلى حزب سياسي. وهذا يعني أن نظرتي إلى الأحداث السياسية متأثرة بهذا الانتماء سواء شئت أم أبيت.
وأنا أيضا متحيز للثورة وضد الثورة المضادة. وهذا توجه عميق يؤثر في كيفية قراءتي للأحداث وتقدير أهميتها وخطورتها.
لكن هذا التحيز المُقرّ به لا يُلغي واجب الصدق. التحيز يعني أنني لا أتظاهر بالحياد. لا يعني أنني أملك رخصة للكذب.
ثلاثة مستويات في ما أنشره
الأول: ما أنقله من أخبار. أسعى بقدر المستطاع إلى التثبت قبل النقل. وحين أنقل أُحيل إلى المصدر حين يكون ذلك مفيدا. وأُصحح الأخطاء حين يتبيّن لي أنني أخطأت.
الثاني: ما أعيد صياغته. أحيانا آخذ خبرا وأُعيد صياغته بطريقة تُبرز ما أراه جوهريا فيه. هذا ليس تحريفا بل تحريرا، كما يفعل أي صحفي أو كاتب. والفارق أنني أُوضّح حين يكون ما أُقدّمه رأيا لا حقيقة.
الثالث: ما أشاركه دون تعليق. أحيانا أُشارك مادة لا أتفق معها بالكامل لأن فيها ما يستحق القراءة. وهذا لا يعني الموافقة.
ما أرفضه من الاتهامات
اتهام الكذب والإشاعة: لم أكتب شيئا أعلم أنه كذب. وإذا ثبت خطأ في شيء نشرته فأنا مستعد للتصحيح العلني.
اتهام التعصب الأعمى: انتمائي لحركة لم يمنعني من نقدها علنا حين رأيت خطأ. والمنشورات التي تشهد على ذلك موجودة.
اتهام الانتقائية الواعية: أنا انتقائي بالمعنى الذي لا يستطيع معه أحد أن يعلّق على كل شيء. لكن انتقائيتي تخضع لمعيار واحد: ما أراه مهما ويمكنني المساهمة في فهمه، لا من يقوله أو ما هي انتماءاته.
التوتر الذي لا ينتهي
ما يبقى من هذه التجربة هو وعي بتوتر لا يُحسم نهائيا: الانتماء يُوجّه القراءة ولا يمكن إلغاؤه، والأمانة الفكرية تفرض نقد ما تنتمي إليه حين يخطئ.
هذا التوتر ليس عيبا، بل هو الشرط الطبيعي لأي كاتب منخرط في الحياة العامة. والحل الوحيد هو الشفافية في الإقرار بالانتماء، والصرامة في الالتزام بالصدق، وترك القارئ يُقيّم بنفسه.
خاتمة
ما يُميّز الكاتب الجاد عن الناشط المُحرِّض ليس غياب الانتماء بل الأمانة معه. من يدّعي الحياد المطلق يكذب على القارئ. ومن يُقرّ بانتمائه ويلتزم رغم ذلك بالصدق يُعطي القارئ ما يحتاجه لتقييم ما يقرأه.