ملاحظة: هذه الرسالة كُتبت أصلا بالفرنسية وأُرسلت فعلا إلى جاستن ترودو وقيادة الحزب الليبرالي الكندي في سبتمبر 2019. ما يلي ترجمة موسعة للرسالة الأصلية.

أكتب هذه الرسالة كعضو في الحزب الليبرالي الكندي منذ سنوات، وكمواطن كندي من أصل تونسي مقيم في أوتاوا، وكإمام ومشارك في الحياة الإسلامية في كيبيك منذ أكثر من عشرين سنة.

أكتب في موضوع يخصني شخصيا ويخص الجاليات العربية والمسلمة في كيبيك: قرار الحزب سحب ترشيح حسن جيلو من دائرة سان ليونار قبل أن تتضح الصورة كاملة، وبعد أن دافع عن نفسه علنا، وبعد أن عبّرت أصوات يهودية محلية عن مواقف لا تنسجم مع القراءة التبسيطية للاتهامات الموجهة إليه.

من هو حسن جيلو ولماذا كان رمزا مهما؟

لم أعرف حسن جيلو معرفة شخصية قبل يناير 2017. تعرّفت عليه، كما تعرّف عليه كثيرون في كيبيك، في اليوم المفجع الذي شهد مجزرة المسجد الكبير في مدينة كيبيك. وقف أمام الكاميرات بعد مقتل ستة مصلّين مسلمين بلسان فصيح وقلب مفتوح، يتكلم بالفرنسية الكيبيكية كما يتكلم أبناء البلد، ويُعبّر عن الحزن والأمل والانتماء بلغة لمست قلوب كثير من الكيبيكيين قبل المسلمين.

كان يمثل شيئا نادرا: المسلم الكندي الذي يتكلم من داخل هذا المجتمع لا من خارجه، والمندمج الذي لم يتخل عن هويته، والجسر الحقيقي بين ثقافتين.

وحين فاز بتأييد ناخبي المجلس الليبرالي في دائرة سان ليونار، وهي دائرة يهيمن عليها تاريخيا أبناء الجاليات الإيطالية، كان ذلك في حد ذاته حدثا سياسيا له دلالته: شخص عربي مسلم يكسب ثقة مجتمع غير مسلم في انتخابات حزبية شفافة.

ما الذي حدث؟

ما جاء بعد ذلك كان صادما لكثيرين. ظهرت اتهامات تتعلق بمعاداة السامية بسبب مواقف من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وكلام سابق نُسب إليه أو أُعيد تأويله. وهو رفض هذا التوصيف ودافع عن نفسه، كما ظهرت أيضا أصوات داخل المجتمع المدني اليهودي لا تتبنى القراءة نفسها للاتهامات.

ما بدا مؤلما في نظر كثيرين هو أن الحزب تصرف بسرعة كبيرة تحت ضغط سياسي وإعلامي، بدل أن يُظهر درجة أعلى من التروي والتمحيص قبل اتخاذ قرار بهذه الخطورة.

لماذا كان القرار مقلقا؟

لسببين أساسيين.

الأول أن الخلط بين نقد سياسات الحكومة الإسرائيلية وبين معاداة السامية خلط خطير في أي ديمقراطية. فهاتان المسألتان ليستا شيئا واحدا، والتمييز بينهما ضروري لصحة النقاش العام.

والثاني أن الأحزاب التي ترفع راية العدالة والإنصاف ينبغي أن تكون أكثر حرصا على التحقق وأقل اندفاعا إلى الإدانة السياسية السريعة، خاصة حين يتعلق الأمر بمرشح يمثل أقلية تحتاج أصلا إلى ثقة أكبر في عدالة المؤسسات.

الأثر على الجيل الجديد

ما جعل القضية تمسني بصورة أعمق هو أن اثنين من أبنائي كانا يشاركان آنذاك في الانتخابات لأول مرة. كانا متحمسين لترشيح حسن جيلو تحديدا لأنه حمل بالنسبة لهما معنى بسيطا ومؤثرا: نعم، يمكن لمن يحمل اسما عربيا ومرجعية مسلمة أن يكون في صميم الحياة السياسية الكندية.

وحين يرى الشباب أن مجرد الانتماء العرقي أو الديني قد يجعل الترشح أكثر هشاشة، حتى في غياب حسم عادل وواضح، فإن ذلك يزرع فيهم شعورا بالخذلان قد يبعدهم عن المشاركة لسنوات.

الرسالة الأوسع

القضية في نظري ليست قضية شخص واحد فقط، بل قضية تمثيل. إلى أي حد تستوعب الحياة الحزبية الكندية المواطنين من أصول عربية ومسلمة بهويتهم الكاملة، لا بهوية منزوعة من كل ما قد يثير الجدل؟

المواطنة الكاملة تعني أن يحق للإنسان أن يدخل المجال العام وهو يحمل آراء سياسية قد تختلف مع السائد، ما دام يتحرك داخل الحدود القانونية والأخلاقية. أما إذا أصبح مطلوبا من المرشح العربي المسلم أن يكون أكثر حذرا من غيره في كل ملف حساس، فهذه ليست مساواة كاملة حتى لو لم تُسمَّ بهذا الاسم.

خاتمة

كتبت هذه الرسالة لأنني ما زلت أؤمن أن كندا أكبر من هذا التراجع، وأن الحزب الليبرالي يجب أن يكون أكثر وفاء للقيم التي يرفعها. ليست العدالة في رفع الشعارات، بل في طريقة التصرف حين يكون الشخص المعني من أقلية تحتاج إلى الشجاعة المؤسسية لا إلى التخلي السريع.

وقضية حسن جيلو، سواء اتفق الناس معه أم اختلفوا، بقيت بالنسبة لي لحظة كاشفة لسؤال أعمق: هل التنوع في كندا زينة خطابية فقط، أم حضور فعلي في صناعة القرار بكامل الهوية؟