قيام الدولة بهذا الدور يضع النقابات في إطارها الطبيعي والمعقول، كأداة مساندة، لا كبديل عن الدولة أو سلطة موازية لها.

عندما تصبح النقابات هي الحامي الأساسي، أو يتوقع منتسبوها ذلك، فهذا مؤشر على تراجع الدولة عن دورها الطبيعي، وتحويل حماية الحقوق إلى معركة تفاوضية بدلاً من أن تكون حقًا مضمونًا بالقانون والمؤسسات.

العمال لا يحتاجون إلى مدافعين عنهم، بل إلى دولة تعتبر حقوقهم جزءًا من سيادتها، ومسؤولية لا يمكن التفاوض عليها.

في تونس، تُرِك المجال لاتحاد الشغل كي يتغول، ويتحول من أداة نضال لحماية العمال إلى كيان مدجَّن، يتكيف مع السلطة بدل مواجهتها، أو إلى شبكة مغلقة من المسؤولين المتمعشين من امتيازاتهم، والمستثمرين في مواقعهم بدل الدفاع عن مصالح قواعدهم.

هذه النقابات فقدت جوهر دورها حين أصبحت تُقايض على الملفات الكبرى، وتخوض صفقات خلف الأبواب المغلقة، أو تصمت حماية لمصالح مسؤوليها، بينما يعيش آلاف العمال الهشاشة والبطالة وسوء ظروف العمل بلا حماية فعلية.

النقابة التي تُسكت صوتها مقابل مكاسب لفئة ضيقة، لا تختلف كثيرًا عن السياسي الذي يبيع وعوده في الحملات ثم يتخلى عنها عند الوصول إلى السلطة.

إذا أراد التوانسة مستقبلاً عادلاً، فلا بد من إعادة تعريف دور النقابات كأداة ضغط لصالح المصلحة العامة، لا كحارس لمصالح نخبة نقابية مرتبطة بالامتيازات أكثر من ارتباطها بالعمال.

الدولة والنقابة: التكامل لا التعارض

النقابة القوية تُعبّر عن حاجة حقيقية حين تغيب الدولة. في دولة تُؤدّي دورها كاملًا في حماية حقوق العمال تتحوّل النقابة من “بديل” إلى “رقيب” — وهو دورها الطبيعي.

اليسار الاجتماعي يُريد دولة قوية في الخدمات الاجتماعية، لا تُفوّض هذا الدور لأي جهة أخرى. وقوة الدولة الاجتماعية لا تتعارض مع الحرية الاقتصادية — تُؤطّرها.

خاتمة

يسار اجتماعي بأدوات دولة قوية وعادلة — هذا الاختيار لا يستلزم مفاضلة بين الحرية والعدالة. يرى الاثنين شرطين متلازمين.

دور الدولة في الفكر الاجتماعي الإسلامي

التراث الإسلامي الكلاسيكي لم يكن غريبًا عن فكرة الدولة كضامن للعدالة الاجتماعية. “للوالي أن يُكره التجار على البيع” لأن في الاحتكار ضررًا عامًا — هذا فقه اجتماعي سبق كثيرًا من النظريات الاقتصادية الحديثة.

اليسار الاجتماعي المؤمن يجد في هذا التراث سندًا، لا تعارضًا.