كيف بدأ اهتمامي بمقاومة الإشاعة: ذاكرة من سنّ السابعة عشرة

هذا الاهتمام بدأ عندي في سنّ مبكرة جدا.. ربما في سنّ 17-18 سنة..

وقتها عثرت على كتاب صادر حديثا بعنوان “الإشاعة” للكاتب الأردني أحمد نوفل..

وكنت حينها قد بدأت تعلم التفكير النقدي، ومقارنة الآراء.. كنت وقتها في الثانوية، أدرس مادة التاريخ ومادة العربية على يد أستاذين ماركسيين (التريكي وجردق. وهذا الأخير سمعت أنه عاد للتدين بعد هجرتي لكندا)، حصلت لي معهما مناوشات كثيرة حول قضايا دينية وتاريخية (من قبيل: مصدر القرآن، هل القرآن فيه أغلاط لغوية، هل التاريخ الإسلامي محرّف أم لا، هل هو ناصع أم دموي، إلخ).. وكانت معرفتي فيها بدائية جدا، ولكن كنت أتحدث بحماس واندفاع..

إلى أن ارتكبت حماقة ما زلت أذكرها للآن، تمثلت في تبني محتويات كتابين، أحدهما ألفه أحد قادة الإخوان في الأردن (عبد الله التل)، بعنوان: “الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام”.. وكتاب آخر لم أعد أذكر اسمه بدقة حول الماسونية.. وقدّمتهما في عروض بدرس التاريخ واستشهدت ببعض الفقرات، كان من الواضح أن فيها كلاما مناقضا للمنطق، مما جلب عليّ ضحكات الأستاذ، وسخرية بعض التلاميذ في القسم (البعض الآخر كان متضامنا معي بشدة، بدافع التديّن).. وكنت مغتاظا من السخرية التي تعرضت لها.. ولكن بعد أيام بدأت أفهم أنني يجب أن احمي نفسي من التسرع في تبني الأفكار التي اقرأها لمجرد أن خلفية قائلها دينية أو أخلاقية، إلخ.. لأن هذا لا يعفيني من ضرورة التأكد والتريث..

وصادف في تلك الفترة أن وجدت كتاب “الإشاعة” لأحمد نوفل، فاشتريته وكان بمثابة أول صدمة كبرى لي، بضرورة الانتباه وعدم الانسياق وراء الأخبار والمعلومات التي أقرؤها..

وفي نفس تلك الفترة، اشتريت كتاب “فلسفتنا” للشهيد محمد باقر الصدر، وكتابا آخر حول المغالطات المنطقية.. فاكتملت الصورة عندي، بأهمية بناء وعيي النقدي، وأخذ مسافة جيدة مما أقرأه.. تسمح لي بالفرز والاختيار..

ما علّمه ذلك الكتاب

“الإشاعة” لأحمد نوفل كان بمثابة أول تدريب منهجي على التشكيك في المعلومة قبل قبولها — مهما كانت خلفية قائلها. وهذا الدرس البسيط — الذي تعلّمته في السابعة عشرة — هو الأساس الذي بُني عليه اهتمامي طوال عقود بمقاومة التضليل والإشاعة.

خاتمة

المعرفة النقدية لا تُكتسَب في الجامعة وحدها — أحيانًا تبدأ بحرج صغير في صف المدرسة الثانوية يُغيّر طريقة تفكير للأبد.