أكثر من مجرد رياضة
تعرّض بعض العلماء والفقهاء لظاهرة التجييش الإعلامي الذي صاحب مباراة مصر والجزائر الشهيرة، وحذّر بعضهم من أن تصبح كرة القدم وثنا يُعبد. لكن ما غاب عن هؤلاء هو أن كرة القدم أصبحت فعلا دينا من الأديان، ظاهرة تستحق الدراسة الجادة على المستوى النفسي والسوسيولوجي، لا مجرد التحذير الوعظي.
نعم: كرة القدم أصبحت دينا. وهذا ليس مجازا أدبيا، بل حقيقة تُثبتها دراسات نفسية واجتماعية رصينة ترى أن كرة القدم تمثّل “ديانة علمانية” حديثة — بمعنى أنها ديانة يفصل أتباعها تماما بين مقدساتهم وطقوسهم وبين الدولة والسياسة.
عناصر الظاهرة الدينية
وهذا حاصل في البرازيل وبعض دول أمريكا اللاتينية بشكل واسع جدا، وهو أيضا موجود في بعض الدول العربية والإفريقية بدرجات متفاوتة. وقد صدرت بالفرنسية دراسة لأحد علماء الاجتماع يُحلّل فيها هذا “الدين الجديد” ويعرض مكوناته: مقدساته وطقوسه، حلاله وحرامه، صلاته وزكاته، وتعميده.
ولو تأملنا بنية هذه الظاهرة لوجدنا فيها كل عناصر الدين التقليدي:
- الآلهة: بعض اللاعبين يتحوّلون إلى آلهة في نظر الجماهير. تلقيب اللاعبين بألقاب التأليه أصبح أمرا شائعا، ولا حرج في هذا “الدين” من أن يستهين أحدهم بإلهه بعد فترة من التقديس، حين يرى أن هذا الإله لم يعد يفي بالغرض.
- المعابد: الملاعب الكبرى تُعامَل كأماكن مقدسة، يحجّ إليها الأتباع بانتظام ويؤدون فيها “شعائرهم.”
- الطقوس: الأناشيد الجماعية، والأوشحة، ورقصات الاحتفال، وطقوس ما قبل المباراة وما بعدها.
- العقيدة: الإيمان المطلق بالفريق، والانتماء الذي لا يقبل المساومة، والولاء الذي قد يفوق الولاء العائلي.
- الهرطقة: مشجّع الفريق المنافس هو “الآخر” الذي يُعادَى ويُحتقَر، والتحوّل من فريق إلى آخر يُعتبر خيانة لا تُغتفر.
آلهة من حلوى
وقد ذكّرني هذا الوصف بالآلهة المصنوعة من الحلوى، والتي كان يعبدها بعض أهل الجاهلية في الجزيرة العربية: آلهة يصنعها الإنسان بيده، ثم يعبدها، ثم يأكلها إن جاع. وذكّرني أيضا بتعدد الآلهة في المجتمع الهندوسي، حيث لكل حاجة إله ولكل مناسبة معبود.
والفارق أن آلهة كرة القدم بشر من لحم ودم، يصعدون إلى مرتبة التقديس بضربة كرة ناجحة، وينزلون إلى مرتبة اللعنة بهدف ضائع. هم آلهة مؤقتة قابلة للاستبدال — وهذا في حد ذاته يكشف عن طبيعة العلاقة بين الجمهور و”مقدساته”: علاقة نفعية في جوهرها، تتستر بغلاف عاطفي كثيف.
ضرورة الدراسة الجادة
ولذلك أقول: من الضروري دراسة ظاهرة التعصب الكروي على أساس أنها ظاهرة دينية جديدة، يمكن أن يُطبَّق في دراستها جميع أدوات تحليل الظواهر الدينية. فالتحذير الوعظي وحده لا يكفي لفهم ظاهرة بهذا العمق والاتساع. نحتاج إلى أدوات علم الأديان المقارن، وعلم النفس الاجتماعي، والأنثروبولوجيا الثقافية، لنفهم لماذا يبكي ملايين البشر بسبب مباراة كرة، ولماذا يتقاتلون بسبب نتيجة، ولماذا يُضحّون بعلاقاتهم الاجتماعية من أجل فريق لا يعرف حتى بوجودهم.
هذا الفهم العلمي هو وحده الذي يمكن أن يُقدّم بدائل حقيقية، لا مجرد مواعظ تُلقى على آذان صمّاء.