كثير من النشطاء التوانسة اليوم يعيشون حالة “خدر داخلي”.. ليس فقط النشطاء والمثقفين، بل حتى المواطن العادي.
الكل يعيش نوعًا من الضياع والقلق الاجتماعي والنفسي.
الناس فقدت الثقة في المؤسسات وفي بعضها البعض.
والمشهد السياسي والاجتماعي صار مليئًا بالضباب.
والأحلام الكبيرة تآكلت، والمعنى صار مفقودًا.
هذا لا يعني أن التوانسة فقدوا القيم أو تخلّوا عن مبادئهم، وإنما ببساطة: استُنزفوا نفسيا وذهنيا.
الذين عاشوا سنوات الثورة وما بعدها، والذين قاوموا الانقلاب وما سبقه وما لحقه، اكتشفوا بعد هذا المسار الطويل أنهم لم يكونوا فقط في معركة سياسية، بل في “صراع” نفسي واجتماعي استنزف طاقاتهم إلى الحد الأقصى.. صراع خفي لا يُرى بالعين المجردة، لكن آثاره أعمق من أي جروح ظاهرة.
الإنهاك الفكري والاجتماعي والنفسي ظاهر في عدة مستويات:
شعور بالعطالة الفكرية
كأن العقول دخلت في وضعية “السكون القسري”، بين استحالة الفعل وضبابية الرؤية. أصبحت الأفكار حبيسة الصدور، ويصعب ترجمتها إلى فعل.
قلق اجتماعي ينهش الأعصاب
الاستقطاب والتناحر كسرا دوائر الثقة. وأصبح البعض يخشى حتى من الكلام العادي، خشية سوء الفهم أو الوشاية.
هشاشة نفسية تتراكم
كثرة التقلّبات، والتنازلات المتكررة التي شاهدوها من حولهم، والهزائم الصغيرة التي تتراكم بصمت… كل ذلك ترك ندوبًا عميقة في نفوس الكثيرين.
تآكل الحماس وفقدان المعنى
الكثير من الشعارات الكبرى فقدت بريقها. وأصبحت التساؤلات الكبرى من نوع: “لماذا نفعل هذا أصلاً؟” أو “هل يستحق كل هذا العناء؟” تطغى على العقل.
لماذا أكتب هذا؟
لأن هذا الصمت خطر.. الصمت عن الجروح النفسية التي يعيشها كثير من النشطاء والمثقفين اليوم، يهدد حاضرهم ومستقبلهم.
ترك الناس يعيشون هذا الإنهاك بصمت هو وصفة للانهيار البطيء: ينعزل البعض، ويتطرف البعض، ويقرر البعض الآخر أن ينسحب من المشهد تمامًا
وهذا لا يعني فقط خسارة أفراد… بل خسارة طاقات قادرة على التفكير السليم والتغيير الإيجابي.
شخصيًا… أعرف هذا جيدًا
أكتب هذا الكلام وأنا أراقب المشهد من بعيد.. من كندا.
لكنّي عشت وضعية شبيهة في التسعينات تحت حكم بن علي.
أتذكر جيدًا سنوات المطاردة، والخوف، والحذر المفرط، والانكسارات، والشعور بالخذلان، والإحساس القاتل بأنك وحدك.. أو كأنك “موجود بلا جدوى”.
أعرف جيدًا معنى أن تشعر بالعجز، أن ترى كل الأبواب موصدة، وأن يخذلك المقربون، وأن تنهكك الهزائم الصغيرة المتكررة.
وأعرف أيضًا أن هذا المسار يترك ندوبًا لا تُرى، لكنها تبقى لسنوات..
لكنني تعلمت من تلك المرحلة بعض الدروس التي أعتقد أنها مفيدة اليوم. أطرح هنا بعض النصائح العملية التي تعلمتها بعيدًا عن التنظير:
حافظ على الحد الأدنى من التوازن الشخصي
ليس مطلوبًا أن تكون دائمًا “المناضل الحديدي”. نم بانتظام، مارس رياضة بسيطة، خذ مسافة من الضجيج الإعلامي والسياسي متى احتجت..
هذا ليس ترفًا… هذا وقود الاستمرار.
كوّن دائرة ثقة صغيرة جدًا
لا تبحث عن تعميم الثقة ولا عن جبهة موحدة في كل شيء.
ثلاثة أو أربعة أشخاص تتشارك معهم أحاديث بلا رقابة نفسية..
هذا كنز حقيقي في هذه الأوقات.
افصل بين السياسي والإنساني
استمر في علاقاتك الاجتماعية بعيدًا عن الحسابات السياسية. اجلس مع الناس، حتى المختلفين سياسيًا، دون أن تجعل كل جلسة حوارًا حول الانقلاب.
النفس تحتاج للتهوية، لا إلى المعركة الدائمة.
لا تسجن نفسك في الشعور بالذنب
أن تتعب أو تنسحب مؤقتًا لا يعني أنك خنت القضية.
خذ استراحة مؤقتة إذا احتجت، بدون جلد للذات، وعد عندما تسترجع نفسك.
ابحث عن المعنى الصغير لا الكبير
في اللحظات التي يبدو فيها “التغيير الكبير” مستحيلًا، ركّز على التغيير الصغير.
كلمة طيبة، نصيحة لشخص أصغر منك، أو عمل تطوعي صغير، أو مشروع ثقافي أو اجتماعي خارج السياسة المباشرة… كل هذا يحميك من فقدان الإحساس بالجدوى..
وعندما لا تكفي النصائح الذاتية
عندما تشعر أن الضغط أكبر منك، أو أن القلق والاكتئاب يسيطران عليك، لا تتردد في طلب المساعدة من مختص.
زيارة طبيب نفسي أو أخصائي علاج نفسي ليست ضعفًا، بل خطوة شجاعة نحو التعافي.
الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية.
في النهاية،
كثير من الشعوب مرت بنفس هذه التجربة: أزمات سياسية، استقطاب، قمع، إحباط جماعي…
لكن المجتمعات التي نجحت في الخروج من النفق، فعلت ذلك لأنها واجهت المشكلة، ولم تنكرها..