كسر التابو: جودة الخطبة على طاولة النقاش

خلافًا للمعتاد، أُثيرت منذ فترة مشكلة جودة خطب الجمعة بحدّة ووضوح في بعض المساجد الكندية، بعد أن كان الأمر من المواضيع المسكوت عنها، أو “التابو الديني” بسبب التهيّب من السياق التعبدي، وخشية الفتنة، ونظرًا للدور الديني الرمزي الذي يتمتع به الخطيب، بما يُضفي عليه درجة من الحصانة تمنع من توجيه النقد له.

ففي السابق، كان النقد الموجّه لخطب الجمعة، في المرات النادرة التي تمّ فيها توجيه النقد المباشر لخطباء الجمعة، يكتفي بالتعبير عن الضيق بسبب طول الخطب وتجاوز الوقت المخصّص لها، خصوصًا في المساجد التي يرتادها الموظفون، في واقعٍ كندي لا يشكّل فيه يوم الجمعة يومَ إجازة، مما يضطر بعض المصلّين إلى التأخير في العودة إلى عملهم. أما بقية أنواع النقد، فكان غالبًا ما يتم كظمها في حينه، تجنّبًا لردود الفعل التي لم تتعوّد على ذلك. ويلجأ البعض، تنفيسًا عن هذا الضيق وفي غياب الجرأة على إعلانه، لطرح النقد في سياق التندّر أو في إطار المسامرات الخاصة بين الأصدقاء.

حادثة الاعتراض العلني

ويبدو أن النقد العلني المفاجئ الذي صدر في الفترة الأخيرة أحدث ما يشبه الصدمة، نظرًا لصدوره في أحد المساجد بمدينة أوتاوا-جاتينو أمام الملأ، قبيل انتهاء الخطيب من خطبته، حين طلب أحد المصلّين، بصوت مرتفع، من الخطيب أن يوجز في خطبته، مما أحدث مفاجأة لعدد كبير من مرتادي المسجد، وجعل البعض يصف الحدث بأنه “فتنة” ما كان يجوز ارتكابها، لما في ذلك من إساءة وإحراج للخطيب، وعدم تقدير لهيبة المسجد ووقاره، وتجاوز لإدارة المسجد.

ما وراء الحادثة: سؤال الجودة

وبصرف النظر عن صوابية الفعل في حد ذاته، أي موقف المطالبة العلنية للخطيب بالإيجاز أثناء إلقائه لخطبة الجمعة، والتي يمكن الاختلاف حولها وحول أفضلية كظم المصلّي لغيظه ثم التوجّه للخطيب بعد الصلاة لتوجيه العتاب إليه، بصرف النظر عن هذا الأمر، يبدو من الضروري أن نستفيد من هذه الحادثة لطرح موضوع “جودة الخطب الجمعية وقياس أداء الخطباء” بشكل أكثر جدية، عوض اعتماد أسلوب النعامة التي تدسّ رأسها في الأرض خشية مواجهة ما يضايقها أو يحرجها.

تحديد المسؤوليات

وإذا اتفقنا على أهمية تجنّب ما قد يحدث الفتنة في المسجد، فإن من العدل تجاه الآخر والصدق مع الذات أن نتفق على تحديد المسؤوليات عن احتمالات الفتنة، ومن الفاتن والمفتون: هل الفاتن هو المصلّي الذي يعبّر عن ضيقه؟ أم الخطيب الذي أخطأ في أدائه؟ أم إدارة المسجد التي لم تتخذ إجراءات لضمان الأداء الجيد للخطباء؟

ولذلك فإن أول ما يستدعيه الطرح الجدي لجودة خطب الجمعة هو تحديد المسؤوليات بوضوح، حتى لا يتكرّر ما حدث، بعيدًا عن الشخصنة وتصوير الأمر على أنه اختلاف أذواق وتنافر طباع.

إطار مقترح للتطوير

وفي هذا الإطار، تأتي هذه السلسلة من المقالات التي تقترح إطارًا عمليًا لتطوير أداء خطبة الجمعة في سياق الجاليات المسلمة في الغرب، والاستفادة منها في بناء جالية مسلمة متماسكة وقوية وفاعلة. وتتعرّض هذه السلسلة للنقاط التالية:

  1. مدخل: وظيفة خطبة الجمعة
  2. الأخطاء العشرة في خطب الجمعة
  3. ما المقصود بجودة خطبة الجمعة؟
  4. كيف نقيس الأداء في خطبة الجمعة؟
  5. معايير الخطبة الجيدة
  6. تحديد المسؤوليات: الخطيب / إدارة المسجد / جمهور المصلّين

ملحق فقهي: حكم الاعتراض على الخطيب

مبدأ الاعتراض على الخطيب بأي وجه من الوجوه ليس ممنوعًا من الناحية الفقهية، ولا يمثّل “فتنة” في كل الحالات. فيجوز الرد على الخطيب ما لم يؤدِّ ذلك إلى حدوث فتنة أو منكر أشدّ في المسجد، فحينئذ يُؤجّل الإنكار إلى ما بعد الخطبة.

وقد اختلفت المذاهب الفقهية في تقدير حكم الكلام أثناء الخطبة:

  • الحنفية: كرّه أبو حنيفة الكلام كراهة تحريم، من وقت خروج الإمام من خلوته حتى يفرغ من الخطبة.
  • المالكية: أجازوا ذلك إن حصل من الخطيب ما لا يجوز، كمدح من لا يستحق المدح، وذمّ من لا يجوز ذمّه.
  • الحنابلة: حرّموا أي كلام حتى لو كان الخطيب غير عدل، وهذا متّسق مع مبدئهم العام في طاعة ولي الأمر وعدم المعارضة العلنية.

وإذا نظرنا إلى واقع السيرة النبوية وتاريخ الصحابة، فسنعثر على كثير من الشواهد على جواز اعتراض المصلّين على الخطيب: فقد اعترضت امرأة على عمر بن الخطاب في إحدى خطبه وهو ينهى عن المغالاة في المهور، واعترض سلمان الفارسي على عمر بن الخطاب قائلًا: “وَاللَّهِ لاَ سَمِعْنَا قَوْلَكَ وَلاَ أَطَعْنَا أَمْرَكَ”. كما صحّ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع خطبته إذا وُجّه إليه سؤال من أحد الحاضرين فيجيبه ثم يعود إلى خطبته فيتمّها.

ومن هنا لا نجد مانعًا من تصحيح خطأ حدث من الخطيب أو مطالبته بالإيجاز، على أن يكون بأسلوب حكيم لا يُحدث لغطًا ولا تشويشًا، وأن يغلب على الظن أن الخطيب يسمع ويستجيب. فإن لم يستجب فلا يجوز الإلحاح في التصحيح.