لخُطبة الجمعة وظيفة مركزية في تشكيل الفكر الجماعي للمسلمين وتوجيه سلوكهم. وهي من اللحظات النادرة التي يلتقي فيها جمهور متنوع على خطاب واحد، في فضاء مفتوح للإنصات الجماعي. وبما أن حضورها فرض عين، فهي ليست مجرد “فرصة وعظ”، بل من المفترض أن تكون حدثًا أسبوعيًا مؤثّرًا، يحمل مضمونًا يعيد ترتيب الأولويات الفردية والجماعية، ويخلق تماهيًا شعوريًا وفكريًا مع قضايا الجماعة.

الخطبة في أصلها مصدر للطاقة الفكرية والعاطفية بعيدة المدى، تنساب معانيها إلى المستمع في لحظة يُفترض أن تكون مناسبة للانقطاع عن ضغط الحياة اليومية، والعودة إلى البوصلة القيمية التي تمنحه وضوحًا في الرؤية، واتساقًا في المواقف، وانتماءً ناضجًا لجماعته المحلية والدينية والإنسانية.

لكن هذه الوظيفة تراجعت بشكل ملحوظ. وتحولت خطبة الجمعة عند عدد كبير من الناس إلى روتين أسبوعي، أو التزام شكلي خالٍ من التوقّع والتأثر، حتى بات كثيرون يأتون دون انتظار معنى جديد، أو فكرة محركة، أو صياغة مُقنعة. يُصغي البعض لعدة دقائق ثم ينصرف ذهنيًا أو جسديًا، وكأن الحضور واجب بلا أثر، واستماع بلا تفاعل.

واللوم هنا لا يمكن تحميله لطرف واحد.

  • فقد يكون الخلل نابعًا من الخطيب: ضُعف في التحضير، ضيق في الأفق، تجاهل لسياق الجمهور.

  • وقد يكون الخلل في المستمع: انقطاع ثقافي عن عالم الخطاب الديني، أو تدنّي في الاهتمام بالشأن العام.

  • وقد يكون الخلل أعمق: في البنية التنظيمية للمساجد، أو في ثقافة المجتمع، أو في طريقة فهم وظيفة الخطبة نفسها.

لكنّ الأمر المؤكّد هو أننا بحاجة إلى تفكيك هذا الواقع وتحليله بعمق، لأن خطبة الجمعة، باعتبارها شعيرة مؤسّسية، ليست مجالاً للارتجال العاطفي، ولا حكرًا على لغة خشبية تتجاهل الزمن والمكان. بل هي – إذا أردناها فعلاً أن تكون ذات معنى – مساحة لبناء وعي مشترك، وتشكيل رأي عام محلي، وتنشيط حسّ المسؤولية الاجتماعية والدينية لدى جمهور متنوع.

  • الرسالة الجوهرية للخطبة:

الهدف من خطبة الجمعة – كما أفهمها – ليس مجرد “التذكير الروحي”، بل المساهمة في بناء مجتمع نشيط ومتعاون، يشتبك مع قضاياه اليومية، ويتلقى عبر الخطبة جرعات من التوجيه القيمي المرتبط بالواقع، على ضوء المقاصد الإسلامية الثلاثة (التي لطه جابر العلواني فضل التنبيه إليها، وأعتبرها أفضل إطار مقاصدي):

  • التوحيد: باعتباره وعيًا بالخالق، ومصدرًا للمعنى.

  • التزكية: كعملية دائمة لتحسين الذات وتحريرها من الهشاشة الأخلاقية.

  • العمران: أي الانخراط الفاعل في بناء الحياة والمجتمع والمؤسسات.

وبهذا المعنى، فإن الخطبة تصبح فعلًا تربويًا وتواصليًا، لا مجرد خطاب ديني منقول من صفحات الكتب. تصبح فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين الفرد ومحيطه، بين النص والواقع، بين العقيدة والسلوك.

  • أين نحن من هذا التصور؟:

ما نشهده اليوم في أغلب المساجد في جميع بلدان العالم بلا استثناء، لا يعكس هذا التصور. ورغم تزايد عدد المساجد، وكثرة الخطباء، إلا أن منابرها غالبًا لا تُستثمر كما ينبغي.

الخطباء متنوعون في قدراتهم، لكن كثيرًا منهم لا يتقن الخطابة بمعناها الإعلامي والتربوي، وبعضهم ينسخ خطبًا جاهزة من الكتب أو الإنترنت، ويسردها على المنبر كما هي، دون مراعاة السياق أو الجمهور.

وهذا ما يولّد الانطباع العام المتكرر:

خُطب مملة، غير متماسكة، لا تعالج القضايا ذات الأولوية، ولا تخاطب الواقع، ولا تُلهم التفكير.

إنها ليست أزمة محتوى فقط، بل أزمة وظيفة.

ما الوظيفة الحقيقية للخطبة؟

أزمة خطبة الجمعة لن تُحلّ بتحسين المحتوى وحده. تحتاج أن نجيب أولًا: لماذا تُوجد؟ إذا كانت للتعليم فلماذا لا يستمع أغلب المصلّين؟ إذا كانت للتوجيه فلماذا لا تُغيّر سلوكًا؟

إعادة تعريف الوظيفة هي الخطوة الأولى نحو خطبة تُحقّق ما أُسِّست له.

خاتمة

خطبة الجمعة في أفضل صورها كانت تُخرج المصلّي مختلفًا عمّا دخل. هذا المعيار البسيط — هل تغيّر شيء؟ — هو أدق اختبار للخطيب وللخطبة معًا.