في الأسابيع الأخيرة، صادفني عدد من المقالات المطوّلة لصابر النفزاوي، كانت بمثابة استئناف عميق لما سبق أن قرأته له منذ سنوات..

مقالاته الأخيرة لم تكن مجرد مقالات رأي، بل إعلانات فكرية صريحة عن اصطفاف عقدي حاد، يرفض النماذج السياسية الحداثية، ويعلن بوضوح أن الديمقراطية ليست فقط غير إسلامية، بل هي نقيض للعقيدة الإسلامية ذاتها.

ومنذ يومين، مر أمامي لقاء له على قناة “البلاغ” في يوتيوب، قدّم فيه رؤية نقدية جذرية للديمقراطية، تتجاوز انتقاد التطبيقات العملية للنظام الديمقراطي إلى رفض أسسه الفلسفية ومنطلقاته المعرفية.. بحيث لم يكن الخطاب مجرد تحفظ “شرعي”، بل مفاصلة وجودية مع الديمقراطية ككل.

هذا الخطاب ينتمي بوضوح إلى المدرسة الفكرية التي ترى في الديمقراطية مشروعًا غربيا فلسفيًا وعقديًا متناقضًا مع الإسلام، وهي المدرسة التي يمثّلها بشكل كلاسيكي حزب التحرير الإسلامي..

أطروحات النفزاوي، سواء في اللقاءات المرئية أو في مقالاته، تتقاطع مع المنظومة المفهومية والسياسية التي يتبناها حزب التحرير، من حيث البنية الجدلية، والثنائيات الحادة، والموقف من الآخر.

نقد عقائدي لا سياسي

النفزاوي لا ينتقد الديمقراطية بوصفها تجربة بشرية قابلة للتحسين، بل يرفضها من جذرها الفلسفي، ويعتبر أن سيادة الشعب تشكّل تأليهًا للإنسان، وتمنح “المخلوق” حق التشريع الذي هو لله وحده. في أحد مقالاته يقول صراحة: “نحن نقترح نظامًا يستمد تصوّره للسلطة والعدل من وحي الله لا من قاعات التصويت أو لوائح الأمم المتحدة…”

ويُضيف: “فالسؤال الحقيقي ليس: كيف نطبّق الشريعة؟ بل: كيف استبدلناها بغيرها؟ ولماذا نطالبها بما لا نطالب به غيرها؟”

هذا المنطلق هو في صميم أدبيات حزب التحرير، الذي يعتبر التشريع البشري كفرًا صريحًا، ويدعو إلى إقامة دولة الخلافة على أساس “السيادة للشرع، لا للشعب”.

رفض التوفيق بين الديمقراطية والإسلام

في الفيديو كما في المقالات، يرفض النفزاوي ما يسمّى بـ”الديمقراطية الإسلامية”، ويرى فيها مغالطة فكرية وأخلاقية..

يقول مثلاً في أحد نصوصه: “الديمقراطية الليبرالية ترفض أي تقييد ديني لحكم الأغلبية، مما يجعلها غير قابلة للتوفيق مع الإسلام، ولا مجال للمراوحة بين صناديق الاقتراع والوحي.”

هذا التطابق شبه الحرفي مع خطاب حزب التحرير يُظهر أن النفزاوي لا يختلف في الجوهر عن طرح الحزب، الذي يرى أن “أسلمة الديمقراطية” خيانة فكرية وتمييع للعقيدة.

اختزال الهوية في الموقف من الديمقراطية

اللقاء في قناة البلاغ كان تحت عنوان عريض: “الهوية ليست معركة نخب فقط”. غير أن مضمون الطرح اختزل مفهوم الهوية الإسلامية بالكامل في الموقف من الديمقراطية والعلمانية.. والهوية هنا لا يعرّفها بوصفها تراكبًا تاريخيًا وثقافيًا واجتماعيًا، بل كموقف عقدي حاد ضد كل ما هو غربي أو وضعي.

وهذا واضح أيضًا في مقالاته مثل مقاله ضد “الإسلام الشعبي” حيث يقول: “لا وجود على الحقيقة إلا لتديّن واحد هو التديّن الشرعي… وكل ما يُخالف ذلك يجب تسميته أعرافًا فاسدة أو انحرافات لا تُلحق بالإسلام.”

إقصاء للتجارب السياسية والاجتهادية الإسلامية

من اللافت في لقاءاته ومقالاته ما أراه غيابا تاما لأي تحليل للتجارب السياسية الإسلامية التي حاولت الجمع بين الشورى والديمقراطية الدستورية، مثل ماليزيا، تركيا، أو حتى تونس. كما لا نجد أي إشارة إلى اجتهادات فقهية معاصرة تبحث عن مخرج شرعي للمشاركة السياسية في النظم الحديثة.

على العكس، نجده يعنون أحد مقالاته بعبارة: “حين أقول الشريعة هي الحل”، يكتب فيه دعوة صريحة إلى كتابة دستور إسلامي مرجعه القرآن والسنّة، واستعدادًا لفعل ذلك بعد “ثورة إسلامية أو انقلاب أيديولوجي”، على حد تعبيره.. وهذا الطرح لا يختلف عن رؤية حزب التحرير بضرورة هدم الأنظمة القائمة لإقامة دولة الخلافة.

خلاصة

خطاب المفاصلة العقدية بدل التفاعل الواقعي

الخطاب الذي يقدّمه صابر النفزاوي لا يمكن فصله عن السياق العقدي والفكري الذي أسّسه حزب التحرير منذ أكثر من نصف قرن، والذي يتمحور حول الرفض الشامل للنظام الدولي، والديمقراطية، والعلمانية، وحتى الإسلام الحركي المعتدل.

ومع أن هذا الخطاب يبدو متماسكًا من حيث البنية الداخلية، إلا أنه يعاني من الاختزال والإقصاء، ومن غياب أدوات التفاعل مع تعقيدات الواقع..

كما أنه يغلق الباب أمام كل إمكان للاجتهاد السياسي والفقهي، مكتفيًا بمفاصلة جذرية، قد تصل أحيانًا إلى تحريم التعارف والتعايش إلا على قاعدة التمييز العقدي المطلق (أحد مقالاته عنوانه: “اليسـار عدوّ مرجعي، لا مجرّد خصم إيديولوجي”).

ما دفعني لكتابة هذا الرأي، هو ضرورة فهم هذا الخطاب لا كمجرد رأي فردي، بل كجزء من اتجاه فكري يعيد إنتاج خطاب “الخلافة أو الكفر”، بثوب لغوي حديث، لكن بنفس الجهاز المفهومي والعقدي القديم.